21 عامًا على 14 شباط... لا عدالة ولا انتظار

مشاهدات


سناء الجاك


كأني ألمح الشهداء منذ 14 شباط 2005، يطلّون اليوم بصفاءٍ على المناسبة. يتقدّمهم الرئيس رفيق الحريري ... يستمع إلى تعليقاتهم وهم يراقبون مسرى التطوّرات منذ تواريخ اغتيالاتهم المتعاقبة. قد يعزيهم أن عدالة السماء أنصفتهم بعقاب بعض قاتليهم... لكن الأمور لم تصل إلى خواتيمها... وربّما لن تصل... فعدالة الأرض لا تزال معطلة على ما يبدو... ما لم تتصوّب المسيرة صوب اتجاهٍ يصنع وطنًا، حينها فقط لا تذهب مواسم الاغتيالات سدًى...


التحدّي كبير. فالوطن المأمولة قيامته، متروكٌ لقدره في الوقت الراهن، ريثما تنجلي عواصف التغييرات المفصليّة. وواضح أن المتحكّم بالأقدار الدولية لا أمان له، أولويّته بيع دول المنطقة الأسلحة لينعش اقتصاده، ويعقد الصفقات المشبوهة مع كلّ طغاة العالم، ثمّ ينقلب عليها إذا استوجبت مصلحته ذلك، ويتباهى بأنه يحارب الإرهاب. وهو بالطبع لن يتخذ مواقف فعّالة، تحديدًا عندما يتعلّق الأمر ببلد صغير كلبنان، لا حول له ولا قوة في لعبة الكبار ومصالحهم. وهو لن يلجم الاعتداءات الإسرائيلية، التي كانت تكفي جولة للرئيس الشهيد رفيق الحريري للحدّ من عدائيتها. فالشهيد تمكّن بعد "مجزرة قانا" عام 1996، من الحصول على "تفاهم نيسان". قدّمه إلى "حزب اللّه" آنذاك، لكن هذه الهدية لم تحل دون إزاحته بأطنان من المتفجّرات ليُستكمل مشروع المحور، ويُستتبع اغتياله بمسلسل اغتيالات لا تزال عدالتها مفقودة.


فالتوازن الذي استطاع رفيق الحريري إرساء أسسه أزعج رأس المحور، لذا جاء حجم القرارات مرتبطًا بحجم الجريمة، إذ لم يتمّ اغتياله صدفة، لكن في إطارٍ مخططٍ مرسومٍ للمنطقة انطلاقًا من لبنان. وليس أدلّ على ذلك من قافلة الشهداء لتأكيد أن الذين لا يُؤتمن جانبهم، لا ينفع معهم أسلوب التفهّم والاستيعاب، فهم يعتنقون القتل سلوكًا عاديًا وفق متطلّبات مشاريعهم. ويبدو أن قافلة الشهداء على يقين بأن الجحيم لن ينتهي في المدى المنظور. ولن يغيّر زمن الهزائم ما في نفوس رأس المحور وأذرعه، ولا شك أن من في هذه القافلة يراقبون الذين لا يزالون في خندق واحد يستميتون في سبيل مشاريع رأس محورهم لبسط نفوذهم وإعادة توسيع رقعة سيطرتهم حيث يستطيعون ذلك. وهم يتوقعون نجاح مسعاهم، وكأن هناك شبكة خيوط مخفية تجمع بين الشياطين الدوليين والإقليميين، الذين حتى عندما يفترسون بعضهم البعض، يضعون نصب أعينهم المصلحة التي تقتضي بقاء كل "بعبع" في مكانه ومكانته حتى يستمرّ الاستثمار في التناقضات. بعد رحيلهم، ازدادت حكمة قافلة الشهداء الذين باتوا يفهمون اللعبة أكثر فأكثر. زال الكثير من الأوهام بعد 21 عامًا على الجريمة الأم... علّمتهم التجربة أن العدالة الغائبة لم تكن ولن تكون أولويّة.. لم يسألوا عن الأسباب ولم يعتبوا... انتهت مرحلة العتب... كذلك لا انتظار، ففي الأبدية معدومة مفاعيل الانتظار.

تعليقات

أحدث أقدم