د. محمد الموسوي
كاتب عراقي
من يقتل آمال المستضعفين في إيران؛ ومن يتحمل مسؤولية الأحداث الدموية في إيران وما سيتبعها من جحيم سيطال المنطقة بأسرها؟
من المستفيد من إبقاء ملالي إيران في السلطة.. وهل الخيارات العسكرية هي الحل؟
نظامين تعاقبا على حكم إيران أحدهما نظام قومي عنصري شوفيني لم يكن مدركا لما ينتمي إليه بل كان كل همه السلطة والسلطان.. وهذا هو نظام الشاهنشاهية البغيضة.. النظام الذي لم يكن الأب المؤسس إمبراطورا ولا سلطانا بل كان جندياً خان من ينتمي له ليصبح جندياً للروس والإنكليز ومن ثم يصبح شاه إيران المعاصرة، ويُصبح إبنه محمد رضا بهلوي شاهنشاه إيران بعد أن نفى المستعمر أباه وقبِل هو أن يكون خليفة أبيه المنفي لم تضبطه ولا تردعه قيماً ولا مبادئ.
النظام الثاني هو نظام الملالي صنيعة الاستعمار الذي تعاقب على حكم إيران كخليفة للشاه وبنفس الدور والمخطط الرامي إلى هدم المنطقة؛ كلا النظامين لا مبدأ له ولا ثوابت تتماشى مع فطرة الخير.. فكلاهما ميكيافيلي غايته تبرر كل الوسائل المتاحة القابلة للتطبيق.. فملالي إيران الذين كانوا يلقبون الشاه بولي النعم كما كانوا من قبله أيضاً وعاظاً للسلاطين وهكذا على الدوام.. هؤلاء الملالي انتهزوا فرصة تهاوي نظام الشاه في آخر أيامه وعدم قدرته على الاستمرار في حماية مصالح الاستعمار طرقوا على الفور أبواب الغرب مستعدين لإبداء كافة فرائض الولاء والطاعة في سبيل الوصول إلى السلطة فكان من الطبيعي أن يتسلقوا على رقاب وجماجم ثوار ثورة فبراير الوطنية ويصادروا تضحياتهم.. واليوم يفعل إابن الشاه المخلوع نفس الفعل؛ فبدعمٍ من الغرب يسارع ليغتنم الحدث والتوقيت ليتسلق على جماجم ضحايا أبيه وضحايا الملالي آملا أن يعود إمبراطورا يتشارك إيران كغنيمة مع الملالي أو بقاياهم إذا سمحت له الظروف.
سؤال هام جدا يقودنا إلى معرفة حقيقة الملالي ومن خلفوه على العرش ومن يريد هذا العرش عرش أبيه من جديد.. السؤال هو: لماذا لم يطالب الملالي بشكل سياسي وقانوني بإستراداد المليارات التي نهبها الشاه وأسرته عند هروبهم إلى أمريكا وهي أموال كانت في حينها تعادل ميزانية دول ليست بالصغيرة.. ولماذا لم يطالبوا بمحاكمة نظام الشاه على جرائمه أو كما يفعل سفهاء الملالي في العراق من محاكمات لبني أمية وبني العباس، والجواب هو أن كلا النظامين من طينة واحدة وطبيعة واحدة ودور واحد وتوجه واحد، وقد استخدم الشاه في عهده الملالي لترويض الشعب وإدامة نظامه الاستبدادي، وكذلك استخدم الملالي الهوية الشاهنشاهية في قمع الثوار في إيران كلما حمى الوطيس وأدركوا أن نهايتهم قد اقتربت وذلك من خلال استحضارهم لروح رضا شاه وقولهم (رضا شاه طابت روحك ) ليتحرك الحفيد مباشرة بعد هذا الاستحضار للإسهام في قمع الثورة وقتل الثوار. يجب أن أؤكد هنا على أن كلا النظامين نظامين عنصريين لا ينتميان إلى قيمٍ رشيدة عادلة ولم ينتميا إلى إيران الأرض والشعب والتاريخ بل كانا طامعين في نعيم السلطة والسلطان فقبلا بولاية وإملاءات الغرب عليهم.. علما بأنه لم يكن حتى اليوم لدى الغرب رغبة في إسقاط نظام الملالي ولا حتى إدانته في جرائم إبادة جماعية موثقة بالأدلة.. وما اختلاف الغرب اليوم مع نظام الملالي إلا على أمرٍ واحد وهو الخروج الجزئي عن مبدأ الولاء والطاعة ورغبة نظام الملالي أن يصبحوا رقماً عالمياً وليس رقماً إقليمياً؛ حيث يبارك الغرب قيام النظام كرقم إقليمي ضمن إطار الولاء والطاعة ولذلك اباحوا له الحق في الهيمنة على دول المنطقة.
لم يسلم الشعب الإيراني ولم تسلم المنطقة من رضا شاه ولا من محمد رضا شاه ولا من الملالي ولا من حفيد رضا شاه الذي لم تصل روح الوطنية لقلبه وجوارحه ولم يدفع ضريبة الانتماء للأوطان يوماً، ولذلك من السهل جدا عليه وعلى أنصاره أن يستخفوا بالشعب الإيراني وثورته وثواره وتضحياته ممارسين نهجهم العنصري حتى ضد الإيرانيين في المنفى.. واليوم يريد رضا محمد رضا بهلوي أن ينتقم من الشعب الإيراني الذي ثار ضد أبيه من خلال طرح نفسه على أنه الحل القادر والمُخلِص الذي سيخلص الشعب الإيراني من بؤسه وجحيم الملالي وهو في الحقيقة لا تعنيه هموم الشعب الإيراني ويعي تمام الوعي أنه لن يتمكن من حكم إيران إلا شريكا للملالي؛ لكنه بجهله السياسي والاجتماعي فاته أن تلميعه إعلامياً ليس سوى وسيلة لقمع الشعب الإيراني ومساومة الملالي.. يعلم الشعب الإيراني بتاريخ الملالي كعلمه بتاريخ رضا شاه وابنه وحفيده، ويعلم بأنه لا ينتمي إلى إيران سوى من رووا الأرض بدماء الشهداء وأمضوا أعمارهم في مسيرة التضحيات لم يعرفوا رفاهاً ولم تعرف أنفسهم رغبةً في الحياة من أجل الحياة بل عاشوها من أجل غيرهم زادهم بسيط وآمالهم كبيرة وخطاهم تتسارع بالدم نحو أهدافهم.. هؤلاء هم الذين يرفضون الحرب على بلادهم ويرفضون الحل العسكري ويطالبون بما هو أيسر وممكن إن صدق الغرب فيما يقول.. فالحل الثالث الذي تطرحه قيادة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية هو أفضل وأسرع الخيارات الممكنة.. ولو حمى الغرب مجاهدي خلق ووجودهم في العراق واعترف منذ زمن بحق الشعب الإيراني في مقاومة السلطات القمعية لنظام الملالي التي تقتل المدنيين العُزل بشكل عشوائي وتخطف الكثير منهم لرأينا نظام الملالي اليوم مجرد ذكرى والإيرانيون يمضون باتجاه صناعة حاضرهم المزدهر. لقد ساعد الغرب صنيعتهم نظام الملالي في التخلص من وجود مجاهدي خلق على أرض العراق بجوار إيران لكي يضمنوا بقاء حكم الملالي في إيران مستقرا غير مهدداً، واليوم تدعم بعض القوى الغربية ابن الشاه المخلوع في حراكه الهزيل نحو استعادة ضيعة أبيه وجده التي ورثوها من الإنكليز والروس، وقد هدمت البهلوية والملالي ميراث الثورة الدستورية واليوم وبدعم من الغرب يسعون لقتل وتحييد كل ماهو ثوري ووطني في إيران كي تبقى المنطقة بأسرها أسيرة طائعة في أيديهم. شرفاء إيران لم يرفعوا علماً لأحد ولم ينادوا بشعار رضا شاه " طابت روحك " ; ولا يريدون تحويل بلادهم ووطنهم إلى حطام من خلال حماقات عسكرية ويؤكدون على أن الحل يجب أن يكون شعبياً. تسليم إيران للمُدلل حفيد رضا هو كتسليم العراق للمغامر أحمد الجلبي الذي عانى في أيامه الأخيرة من خطيئة تدمير العراق.. لم يبقى في إيران حلاً اليوم سوى قلب الطاولة على الرؤوس كما قلبها الشعب الإيراني في ثورة فبراير الوطنية عام 1979.. فهل سيصنعها الشعب الإيراني ونحن نقترب من الذكرى السنوية لقيام الثورة.. ليس ذلك بعيدا ولا مستحيلا، ولم يقتل المتظاهرين والثوار في إيران سوى الغرب سواء كان ذلك بالتواطؤ مع نظام الملالي لعقود طوال أو بسياسة التضليل وطرح ابن الشاه كبديل.. ومن يسكت عن مجازر الإبادة الجماعية في ثمانينيات القرن الميلادي الماضي سكت عن غيرها وسيسكت عن الكثير ويساوم.. وما أروعه في المساومة والمهادنة.

إرسال تعليق