د. ثائر العجيلي
المقدمة :
ما يجري في الشرق الأوسط اليوم لا يُشبه حربًا شاملة، ولا ثورة مكتملة، ولا حتى صراعًا أيديولوجيًا تقليديًا. ما يجري أقرب إلى رقعة شطرنج تُعاد ترتيبها بهدوء، حيث لا تُكسر القطع دفعة واحدة، بل تُسحب البيادق التي انتهت صلاحيتها، وتُقدَّم أخرى إلى الأمام، وفق حسابات باردة لا مكان فيها للعواطف. في هذه الرقعة، لا أحد يُضرب لأنه "شرير"، ولا يُكافأ لأنه "طيب". هناك نماذج أدّت وظائفها، ونماذج باتت عبئًا، ونماذج جديدة تُختبر بوصفها الأقل كلفة والأكثر قابلية للإدارة . اللاعب هنا ليس الشرق الأوسط، ولا قواه المحلية، بل قوة عليا تُدير اللعبة من الأعلى، وتراقب البيادق وهي تتحرّك داخل الساحات . في هذا السياق، يظهر دونالد ترامب لا بوصفه مُنقذًا ولا شيطانًا، بل كلاعب منفرد يميل إلى السيطرة، يضبط إيقاع القطع، ويمنع اندفاع بعضها حين يهدد بانقلاب الرقعة كلها. ليس حبًا بأحد، ولا كرهًا لأحد، بل لأن اللعبة - في هذه المرحلة - لا تحتمل فوضى غير محسوبة . هذا المقال لا يهاجم أحدًا، ولا يُبرّئ أحدًا، ولا يرفع راية، ولا يدعو إلى عنف. نحن لا نضرب ، ولا نُقدّم، ولا نُسقِط. نحن فقط نراقب الساحة، ونحاول قراءتها بعين شرق أوسطية تعرف أن السياسة هنا لا تُقال بصوت عالٍ، بل تُفهم من حركة القطع الصامتة. ما سنناقشه ليس نوايا، بل نماذج: كيف صعدت، كيف استُخدمت، ولماذا بدأ وقت تصفيتها… في شرق أوسط يُعاد رسمه لا بالشعارات، بل بالبيادق.
نموذج الفقيه الإيراني: من لاعب مركزي إلى عبء بنيوي
نموذج الفقيه الإيراني لم يكن يومًا مجرّد نظام حكم داخل حدود دولة، بل مشروعًا يتجاوز الجغرافيا، يقوم على فكرة "الرسالة" قبل فكرة الدولة، وعلى تصدير النفوذ قبل تثبيت الاستقرار . في مرحلة سابقة، بدا هذا النموذج لاعبًا مركزيًا على رقعة الشرق الأوسط، يملأ الفراغات، ويستثمر الفوضى، ويُتقن استخدام الوكلاء كبيادق تتحرك نيابة عنه. غير أن ما كان مصدر قوة تحوّل تدريجيًا إلى عبء بنيوي . فالتوسع المستمر، وازدواجية "الدولة/الثورة"، وكلفة إدارة ساحات متعددة في وقت واحد، جعلت النموذج يفقد مرونته. لم يعد قادرًا على المناورة الخفيفة، ولا على التراجع التكتيكي السلس. كل حركة باتت ثقيلة، وكل خطوة مكلفة، وكل ساحة مفتوحة تستنزف الأخرى. الأهم أن الاستهداف الذي يواجهه هذا النموذج اليوم لم يعد استهدافًا لسلوك هنا أو تصعيد هناك، بل لبنية المشروع نفسه، ورأسه المتمثل بالمرشد علي خامنئي بوصفه الضامن الأخير لوحدة "إيران الثورة" في مواجهة "إيران الدولة". حين يصبح رأس الهرم هو نقطة الثقل، تتحول الرقعة من احتواء طويل الأمد إلى محاولة تحجيم وتفكيك هادئ. في منطق الشطرنج، لم يُسحب هذا النموذج من اللعبة بعد، لكنه لم يعد ملكًا يصعب الاقتراب منه، بل قطعة ثقيلة تُراقَب حركتها، ويُحسب توقيت إخراجها بدقة… لأن كلفة بقائها باتت أعلى من كلفة التعامل مع تداعيات غيابها.
نموذج المالكي العراقي: الدولة العميقة حين تفقد الغطاء
منذ أيلول 2014، لم يعد نوري المالكي حاكمًا رسميًا للعراق، لكن خروجه من رئاسة الحكومة لم يكن خروجًا من مركز التأثير. ما تشكّل بعد ذلك هو نموذج سياسي صلد يعمل من داخل الدولة لا عبر واجهتها، ويستند إلى شبكة نفوذ حزبية وأمنية وإدارية راكمها خلال سنوات الحكم، ثم أعاد توظيفها بوصفه أحد أعمدة "الدولة العميقة" في العراق. هذا النموذج لم يحكم منفردًا بعد 2014، لكنه عطّل وحدد حدود الحكم . كان حاضرًا في لحظات التشكيل ، والتعطيل، والفيتو غير المعلن، ومسك بخيوط حساسة داخل مؤسسات الدولة، دون أن يتحمّل كلفة الواجهة التنفيذية. وبهذا المعنى، لم يكن المالكي "رجل مرحلة طويلة"، بل رجل ظلّ طويل. في مرحلة الفوضى الإقليمية، أدّى هذا الدور وظيفة واضحة: تثبيت توازن داخلي قائم على منع الانهيار الكامل، ولو على حساب قيام دولة طبيعية. لكن مع انتقال المنطقة إلى مرحلة إعادة ترتيب النماذج، بات هذا الدور نفسه محل مساءلة. فالدولة العميقة، حين تفقد الغطاء الإقليمي والدولي، تتحول من أداة استقرار هش إلى عبء سياسي ثقيل. اليوم، يعود المالكي إلى الواجهة لا بوصفه مرشحًا عاديًا، بل بوصفه الورقة الساخنة التي تُختبر من خلالها قدرة النظام السياسي العراقي على إعادة إنتاج نفسه أو تجاوزه. وهنا تبرز داخل الإطار الشيعي - وداخل الدولة - سيناريوهان واضحان:
الأول: المضي قدمًا في ترشيح المالكي، وترك القرار النهائي للقوى السياسية داخل البرلمان، في اختبار مفتوح يضع الجميع أمام مسؤولية تحمّل تبعات الاختيار، داخليًا وخارجيًا.
الثاني: انسحاب المالكي من الترشح، مع منحه القدرة على تسمية بديل، في محاولة لإعادة تدوير النفوذ دون تعريض النموذج كله للاصطدام المباشر.
في منطق الشطرنج، نحن لا نتحدث عن قطعة سقطت، بل عن قطعة ما زالت على الرقعة، غير أن حركتها باتت مكشوفة، وحمايتها أقل، وأي خطوة خاطئة قد تحوّلها من بيدق مؤثّر إلى نقطة كسر في التوازن كله. ولهذا، تتركّز الأنظار اليوم عليه لا لأنه الأقوى، بل لأنه الأكثر حساسية في لحظة التحول.
نموذج الشرع السوري: البيدق الصاعد في شرق أوسط أقل أيديولوجيا
على عكس النماذج التي استُهلكت أو ثَقُلَت حركتها، يبرز نموذج الشرع السوري بوصفه نموذجًا وليدًا جرى التعامل معه لا من زاوية تاريخه، بل من زاوية وظيفته الممكنة في لحظة إقليمية تبحث عن تقليل الكلفة لا عن تصدير الرسائل. هنا، لا يهم كثيرًا من أين أتى النموذج، بقدر ما يهم: ماذا يستطيع أن يقدّم الآن، وإلى أي مدى يمكن ضبطه. يمثّل أحمد الشرع نموذجًا مختلفًا عن النماذج الأيديولوجية الثقيلة. هو لا يطرح مشروعًا عابرًا للحدود ، ولا يحمل خطاب "قيادة الأمة"، ولا ينازع على مركز رمزي إقليمي. شرعيته - إن صح التعبير - شرعية أمر واقع، تستند إلى السيطرة، والانضباط ، والقدرة على إدارة مساحة محددة دون فتح جبهات مجانية. في منطق رقعة الشطرنج، هذا النوع من النماذج يُعدّ بيدقًا صالحًا للتقدّم :
• كلفته محدودة
• سقف طموحه معروف
• وحركته قابلة للتوجيه أو الإيقاف عند الحاجة
ولهذا بالضبط، يبدو مقبولًا في خارطة شرق أوسط جديد يسعى إلى نماذج "هادئة"، لا تُربك الإقليم، ولا تستدعي تدخلًا دائمًا، ولا تُصدّر أزمات إلى الخارج. اللافت أن هذا القبول لا يعني تبنّيًا كاملًا ولا ضمانة دائمة. هو قبول مشروط ومؤقت، مرتبط بقدرته على الالتزام بوظيفته، لا بتاريخه ولا بخطابه. فإذا التزم، يُترك ليتقدّم خطوة خطوة. وإذا تجاوز الدور المرسوم، يُستبدل بسهولة، لأن النموذج لم يُبنَ ليكون مركز ثقل، بل أداة مرحلية في عملية إعادة الترتيب. في هذا السياق، يصبح نموذج الشرع تعبيرًا واضحًا عن التحول الأكبر في المنطقة : من نماذج تقوم على الأيديولوجيا والصدام، إلى نماذج تقوم على الإدارة والضبط . ليس لأنه الأفضل أخلاقيًا، بل لأنه الأقل إزعاجًا في لحظة تبحث فيها القوى الكبرى عن إغلاق الملفات لا فتحها.
نموذج النتنياهوي الإسرائيلي : اليمين المتطرف حين يستنفد وظيفته
حين يُوصَف بنيامين نتنياهو بأنه يميني متطرف، فإن ذلك لا يُعدّ انتقاصًا منه، بل توصيفًا سياسيًا ينسجم مع خطابه هو نفسه، ومع موقعه داخل الخارطة الحزبية الإسرائيلية. نتنياهو يمثل تيارًا يرى في الصراع حالة دائمة، وفي الأمن أولوية مطلقة، وفي التسوية عبئًا لا ضمانة. هذا التيار كان، في مراحل سابقة، جزءًا من توازن إسرائيلي داخلي، وأداة تعبئة فعّالة في بيئة إقليمية مضطربة. في المقابل، لا يمكن تجاهل أن داخل إسرائيل نفسها تيارات وقادة معتدلين يؤمنون بإمكانية العيش المشترك، وبحل الدولتين، وهو الحل الذي ما زال يحظى بتأييد واسع دوليًا، وتبنّته قرارات الأمم المتحدة، واعتبره معظم العالم الإطار الواقعي لإنهاء الصراع . هذا الانقسام ليس تفصيلًا داخليًا، بل عنصر أساسي في فهم موقع نتنياهو ودوره.أحداث السابع من تشرين الأول شكّلت نقطة مفصلية. لا يمكن تبرير ما أقدمت عليه حماس في ذلك اليوم، ولا فصلها عن دور إيراني في إشعال الساحة وتوسيع دائرة النار. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن الردّ الإسرائيلي تحت قيادة نتنياهو تجاوز منطق الردع إلى حرب مدمّرة أصابت غزة وأهلها، وخلّفت كلفة إنسانية هائلة جعلت النموذج النتنياهوي موضع مساءلة أخلاقية وسياسية حتى داخل إسرائيل نفسها. في منطق رقعة الشطرنج، كان هذا النموذج بيدق مواجهة في مرحلة فوضى مفتوحة:
يُستخدم للتصعيد،
ولشدّ العصب،
ولإبقاء الصراع مشتعلاً.
غير أن انتقال الإقليم إلى مرحلة "تصفية الساحات" جعل هذا الدور عبئًا. فالتصعيد غير المنضبط لم يعد يخدم إعادة الترتيب، بل يهدد بانفلات أوسع لا تريده القوى الكبرى . هنا تحديدًا، برز عامل الضبط الخارجي، حيث جرى كبح اندفاع نتنياهو أكثر من مرة، ليس حبًا بإسرائيل ولا خصومة معها، بل لأن النموذج نفسه بدأ يربك الرقعة. ومع تراكم الضغوط الداخلية، والملاحقات القانونية، وكلفة الحرب، بات واضحًا أن الدور الوظيفي لهذا النموذج يقترب من نهايته، تمهيدًا لمرحلة تبحث عن قيادة إسرائيلية أقل تصادمية، وأكثر قابلية للاندماج في تسوية إقليمية طويلة الأمد.
الخاتمة :
في الشرق الأوسط الجديد، لا تُدار الصراعات بالعاطفة، بل بإعادة ضبط دقيقة لرقعة شطرنج أنهكتها الحروب المفتوحة. البيادق التي استُهلكت تُسحب، والقطع التي تجاوزت دورها تُقيَّد، ونماذج جديدة تُختبر بوصفها أقل كلفة وأكثر قابلية للاستقرار. في قلب هذه العملية ، يظهر اللاعب الأكبر، دونالد ترامب، لا بوصفه صانع سلام مثاليًا ، بل مديرًا صلبًا لمرحلة انتقالية يسعى إلى إغلاق ساحات النزف قبل الانشغال بمواجهات كبرى مع الصين وروسيا. هنا، تصبح مصلحة الإقليم - لأول مرة منذ زمن - مرتبطة بالتهدئة لا بالتصعيد، وبالاستقرار لا بالفوضى . والخلاصة التي يجب أن تُقال بهدوء ووعي: اللعبة لا تُلعب علينا فقط… بعضنا اختار أن يكون بيدقًا، وبعضنا ما زال قادرًا على اختيار موقعه. شرق أوسط أكثر استقرارًا وأمانًا وتقدمًا ليس وهمًا، لكنه مشروط بفهم اللحظة، وقراءة الرقعة كما هي، لا كما نريدها أن تكون.

إرسال تعليق