مشاهدات
عبدالرزاق الزرزور
محامي و ناشط حقوقي سوري
وحدة دولية غير مسبوقة… لكنها بلا حسم
يشهد المشهد الدولي تطورًا لافتًا يتمثل في وحدة أوروبية نادرة ضد النظام الإيراني، انضمت إليها مواقف داعمة من اليابان ومولدوفا، إضافة إلى لهجة أممية غير معتادة عبّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي بدا مذعورًا من مستوى العنف المفرط المستخدم ضد المدنيين. غير أن هذه الوحدة، على أهميتها الرمزية، ما تزال تعاني من تردد بنيوي في الانتقال من الإدانة إلى الفعل؛ فالاتحاد الأوروبي، رغم إجماعه على توصيف القمع، ما زال يراوح في منطقة رمادية بين القلق الأخلاقي والحسابات البراغماتية الضيقة.
نظام الملالي : دولة قمع لا دولة سياسة
ما يجري في إيران لم يعد أزمة حقوق إنسان تقليدية، بل هو تفكك تدريجي لشرعية الحكم. فالنظام الذي يقوم على القوة العارية والمجازر العنيفة ضد شعبه، يثبت يومًا بعد آخر أنه عاجز عن إنتاج أي أفق سياسي. إن استخدام الرصاص الحي، والإعدامات المتسارعة ، والاعتقالات الجماعية، ليست مؤشرات قوة، بل علامات هلع لنظام يشعر بأن الأرض تنسحب من تحت قدميه. هنا، تتحول الدولة إلى جهاز قمعي صرف، منفصل عن المجتمع ومعادٍ له.
مريم رجوي : التغيير قرار داخلي لا هدية خارجية
في قلب هذا المشهد، تبرز رؤية مريم رجوي بوصفها طرحًا سياسيًا متماسكًا، يرفض أوهام التغيير المفروض من الخارج، ويؤكد أن التحول الحقيقي ينبع من الداخل الإيراني . خطابها لا يراهن على التدخل العسكري ولا على صفقات دولية، بل على إرادة شعبية منظمة تقودها قوى تمتلك مشروعًا بديلاً واضح المعالم. هذا الطرح، الذي يتقاطع مع تجارب التحول الديمقراطي الحديثة، يكتسب مصداقيته من اتساع رقعة الاحتجاج واستمراريتها رغم القمع.
أوهام العودة : ركوب الموجة وتزييف الواقع
وفي مقابل هذا الحراك المنظم، تبرز محاولات نجل الشاه المخلوع كنموذج للانتهازية السياسية التي تحاول ركوب موجة دماء وتضحيات الشعب الإيراني. فبينما يواجه الشباب الرصاص في الشوارع، يكتفي "ابن الشاه" ببث مقاطع فيديو مفبركة وحملات تضليل إعلامية لا وجود لها على أرض الواقع، في محاولة يائسة لاختطاف نضال الداخل. تؤكد الحقائق الميدانية والسياسية أنه لا يمتلك أي دور أو قاعدة في الداخل ولا تأثير له في صنع القرار الدولي، بل ينحصر اهتمامه في استعراضات جوفاء وحياة البذخ التي يمولها من الأموال الطائلة التي ورثها عن أبيه المجرم، والتي نُهبت من ثروات الشعب الإيراني. إن هذا السلوك لا يخدم سوى بقاء النظام الحالي عبر تشتيت الجهود؛ فإيران التي انتفضت لدفن استبداد الملالي، لن تسمح بإعادة إنتاج ديكتاتورية نظام الشاه البائدة التي تعيش خلف الشاشات.
وحدات المقاومة : العمود الفقري للانتفاضة
لا يمكن فهم صمود الشارع الإيراني دون التوقف عند دور وحدات المقاومة المرتبطة بمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية. هذه الوحدات، التي تعمل في بيئة أمنية شديدة القسوة، نجحت في كسر احتكار الخوف، ونقلت الاحتجاج من ردّ فعل عفوي إلى حالة نضالية مستمرة. إن قدرة هذه الشبكات على التنظيم، والتواصل، والحفاظ على زخم الانتفاضة، تكشف أن ما يجري ليس انفجارًا مؤقتًا، بل عملية ثورية طويلة النفس.
ترامب والخيارات القوية: رسالة ردع أم سياسة؟
تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن "خيارات قوية جدًا" مطروحة للرد على المجازر، يعكس تحولًا في الخطاب الأمريكي مقارنة بسنوات المهادنة. لكنه يطرح سؤالًا جوهريًا: هل تتحول هذه اللغة إلى سياسة ردع حقيقية، أم تبقى ورقة ضغط ظرفية؟ التجربة الإيرانية تؤكد أن النظام لا يستجيب إلا للضغط الصلب، وأن الرسائل الملتبسة تُقرأ في طهران بوصفها ضوءًا أخضر لمزيد من القمع.
فيدال كوادراس : تشريح البراغماتية الأوروبية
يكتسب موقف السياسي الأوروبي المخضرم فيدال كوادراس أهمية خاصة، حين يندد بما سماه "البراغماتية الأوروبية الخسيسة". هذا الوصف يقدم تشخيصًا سياسيًا دقيقًا: أوروبا التي تساوم على القيم مقابل المصالح، تساهم عمليًا في إطالة عمر الاستبداد. دعوته إلى دعم البديل المنظم ليست مجرد شعار، بل مطالبة بإعادة تعريف السياسة الأوروبية على أساس المصلحة بعيدة المدى لا الصفقات قصيرة الأجل.
واشنطن كساحة احتجاج : تدويل القضية من موقع القوة
تظاهرات الإيرانيين في العاصمة الأمريكية ليست مجرد فعل رمزي، بل هي نقل للمعركة إلى مركز القرار الدولي. المطالبة العلنية بتغيير النظام ودعم خطة مريم رجوي تعكس وعيًا سياسيًا متقدمًا لدى الجاليات الإيرانية، وإدراكًا بأن المعركة داخلية في جوهرها، لكنها تحتاج إلى غطاء دولي أخلاقي وسياسي يمنع خنقها.
المستقبل المتوقع : الثورة تمضي والنظام يشيخ
المعادلة باتت واضحة: نظام يشيخ بسرعة، وشعب يزداد جرأة وتنظيمًا. ورغم كلفة القمع العالية، فإن مسار الثورة يبدو تراكميًا ولا رجعة فيه. كل يوم صمود، وكل شهيد، وكل وحدة مقاومة، يضيف حجرًا في بناء إيران مختلفة. السؤال لم يعد "هل التغيير قادم؟"، بل "متى؟"، وبأي كلفة كان يمكن تقليصها لو امتلك المجتمع الدولي شجاعة الحسم.

إرسال تعليق