صفعة بيروت على وجه "ولاية الفقيه" المهتز: عندما تتحول دبلوماسية الاستجداء إلى طريق مسدود

مشاهدات

 


د. قصي الدميسي 

برلماني أردني سابق



مقدمة : غسق القوة الزائفة

بينما يتخبط نظام الملالي في إيران في دوامة من الأزمات الداخلية القاتلة والعزلة الدولية غير المسبوقة، جاءت الزيارة الأخيرة لوزير خارجية هذا النظام، عباس عرقجي، إلى بيروت، لتكون مرآة تعكس تماماً انهيار النفوذ الإقليمي لطهران وحقارتها الدبلوماسية، بدلاً من أن تكون استعراضاً للقوة. إن النظام الذي اعتبر لبنان لسنوات طويلة "حديقة خلفية" له عبر نهب أموال الشعب الإيراني، يواجه اليوم واقعاً مريراً: "لقد انتهى عصر العربدة والهروب في السياسة الإقليمية".


تحقير في بيروت: صفعة الواقع

اللقاء الذي جمع وزير الخارجية اللبناني ومبعوث نظام طهران، وعلى عكس البروتوكولات المعتادة التي تتسم بالمجاملات الدبلوماسية ، تحول إلى ساحة لمحاكمة سياسات التدخل التي ينتهجها النظام. لم يكن الرد الحازم والصريح من الوزير اللبناني على عراقجي مجرد موقف سياسي فحسب، بل كان بمثابة "لا" كبرى في وجه عقود من ارتهان السيادة الوطنية اللبنانية من قبل الحرس الثوري. حينما وجه المسؤول اللبناني سؤاله المباشر لعراقجي: "هل تقبل طهران بوجود منظمات مسلحة غير قانونية خارج إطار الدولة على أراضيها؟"، كان في الواقع يطلق رصاصة الرحمة على نظرية "العمق الاستراتيجي" لعلي خامنئي. لقد أثبت هذا اللقاء أن أحداً في المنطقة لم يعد يشتري الروايات الكاذبة والمضللة لنظام يضحي بالسلام من أجل بقاء استبداده. إن النظام الذي كان يتشدق يوماً بالسيطرة على أربع عواصم عربية، بات اليوم في بيروت منبوذاً في الزاوية، يراقب بلسان عاجز انهيار ركائز نفوذه.


الاستعجال والعجز: سمة النظام المتهاوي

إن العجز الدبلوماسي للنظام ليس سوى انعكاس مباشر للضعف المفرط داخل حدود إيران. فنظام الملالي الذي يواجه أزمات اقتصادية طاحنة، وفساداً منهجياً، وانهياراً كاملاً في شرعيته، يحاول عبر المناورات الدبلوماسية في المنطقة كسب الوقت وانتزاع التنازلات من المجتمع الدولي. لكن الحقيقة هي أن آلة الحرب والإرهاب التابعة للنظام قد تعطلت. لم يعد مبعوثو النظام يمثلون دولة مقتدرة، بل باتوا يُعرفون بكونهم "مفلسين سياسيين" تقتصر مهمتهم على تصدير الأزمات لحرف أنظار الرأي العام عن الكارثة التي تعيشها إيران في الداخل. هذا الضعف الهيكلي بلغ من العمق حداً جعل حتى حلفاء النظام التقليديين والدول التي كانت تلتزم الصمت سابقاً تجاه تدخلاته، يمتلكون الجرأة اليوم للوقوف في وجه هذا "النمر الورقي".


الانتفاضة : إعصار يستهدف اجتثاث الاستبداد

لكن ما يثير رعب "بيت خامنئي" أكثر من أي فشل دبلوماسي، هو صوت الانتفاضة الهادر الذي يتردد صداه في كل شبر من أرض إيران، من زاهدان إلى طهران وكردستان. نحن لا نواجه هذه المرة احتجاجاً فئوياً أو مؤقتاً؛ بل نحن أمام "ثورة حديثة" تهدف إلى حرق "ريش ورؤوس وجذور" هذا النظام المعادي للبشرية. لقد وصل الشعب الإيراني، وخاصة الشباب ومعاقل الانتفاضة، إلى نضج تاريخي مفاده أن مفتاح حرية المنطقة ونهاية الحروب يكمن في إطاحة بؤرة الفساد والجريمة في طهران. إن النظام الذي يستمر في حياته عبر الإعدام والتعذيب والقمع العاري، يقف اليوم أمام إرادة لا تهاب الموت. شعارات الناس في الشوارع تؤكد بوضوح أنهم أدركوا الرابط الوثيق بين الفقر في الداخل والمغامرات الخارجية للنظام. إن غضب الشعب هو نار لا تخمد بالوعود الجوفاء ولا بالقمع؛ إنها النار التي ستحول صرح "ولاية الفقيه" المتآكل إلى رماد.


الخلاصة : نهاية الكابوس

إن ما حدث في بيروت لم يكن مجرد حدث دبلوماسي، بل كان مقدمة للسقوط النهائي. إن النظام الذي لفظه شعبه من الداخل، ويحتقره جيرانه في الخارج، ليس له مستقبل. تظاهرات الشعب الإيراني الواسعة وانتفاضته المستمرة هي رصاصة الرحمة على جسد النظام الذي امتص دماء شعوب المنطقة لأكثر من أربعة عقود. لم تعد الدولارات النفطية تجدي نفعاً، ولا تهديدات جنرالات الحرس الثوري الجوفاء. إن فجر الحرية يلوح في الأفق، والأمن والأمان اللذان ينشدهما الجميع لن يتحققا إلا بزوال غبار هذا النظام الأهريمني عن جغرافيا إيران والمنطقة. ستحترق جذور هذا النظام في نار غضب شعب لم يعد لديه ما يخسره، وستنهض إيران، طائر الفينيق هذا، من بين الرماد مرة أخرى.


تعليقات

أحدث أقدم