طلال بركات
يوعز البعض إلى ان احتدام الشرارة التي انطلقت في ايران بعد المؤتمر الصحفي في فلوريدا الذي جمع دونالد ترامب ونتنياهو الذي لم يأتِ إلى فلوريدا طالبًا دعمًا، بل عرض خططاً للمرحلة القادمة، لذلك هناك تساؤلات عديدة حول لقاء الطرفين هل كان من اجل اتخاذ الترتيبات اللازمة لإنهاء النظام الإيراني ام مجرد تهديدات الغرض منها إرضاخ ايران للمطالب الأمريكية خصوصاً فيما يتعلق بالملف النووي والصواريخ الباليستية .. وهناك من يقول ان ما يحصل في الداخل الإيراني حراك لا تأثير له على وجود النظام لان لدى ايران الخبرة الكافية في قمع مثل هكذا انتفاضات ولها قدرة عالية على احتواء وتفكيك الاحتجاجات عبر القتل والقمع والاعتقالات وباتت تصدّر خبراتها للآخرين أي يستعين بها من يريد ان يقمع اي انتفاضة او حراك في دولة ما ..
ويرى اصحاب هذا الرأي ان سبب فشل الانتفاضات السابقة عدم تلقيها دعم دولي مؤثر وكثير من اتهم امريكا بانها كانت تحافظ على النظام ولا تريد له السقوط لان دوره لم ينتهي بعد، لهذا لم تجيش الرأي العام العالمي ضد الأساليب البشعة الذي استخدمها النظام ضد الشعب الإيراني وخير مثال على ذلك رفض دعم المحتجين بعد قطع النظام للانترنت عن مدن ايران لجعل التظاهرات معزولة عن العالم الخارجي، ولكن بعد مؤتمر فلوريدا والضوء الأخضر الأمريكي إلى نتنياهو والتهديد المباشر من ترامب وبقوله إن الولايات المتحدة ستسارع إلى شنّ هجمات جديدة على إيران إذا تبين أنها تعيد بناء برنامجها النووي الذي استهدفته ضربات أميركية في يونيو الماضي . وهذا دليل على ان هناك موقف آخر يختلف عما سبق، لذلك لابد من الوقوف على ما يحصل في الداخل الإيراني خصوصاً من وجهة النظر الإقليمية والدولية، لان ما يحصل في الداخل الايراني لا ينفصل عمّا يُحضَّر في الخارج ، لذلك يرى كثير من المراقبين انه حراك شعبي يخفي وراءه أزمة أعمق تتعلق بتآكل القدرة على ضبط الشارع الايراني الذي بات مثقل بضغوط المعيشية والعقوبات الطويلة التي اصبحت واقع دائم .. ويعتقد هؤلاء المراقبين ان الانفجار الحاصل في كثير من المدن الإيرانية ليس فقط بسبب اقتصادي نتيجة تدني الحالة المعيشية وانخفاض العملة الإيرانية وانما هناك عدة مؤثرات تعود لدول وشعوب وقوى إقليمية ودولية تعمل في الخفاء او العلن وهي تضمر الشر لهذا النظام وخصوصاً المتضررين الذين قاسوا الأمرين من التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي لتلك الدول وكانوا حريصين اشد الحرص على عدم المواجهة مع ايران ولكنهم سعداء عند اشتداد الضربات الاسرائيلية ضدها بعدما كانت امريكا تمنع تجاوز الخطوط الحمراء حرصاً على بقاء النظام ولكن بعد الضوء الأخضر الأمريكي الجديد يبدو ان اسرائيل ليس وحدها المعنية في هذا الامر وانما مخطط يشمل المنطقة وفق مشروع الشرق الأوسط الجديد لهذا نلاحظ دخول تركيا على الخط بعد موقفها الحيادي لفترة طويلة اتجاه ايران ولكن بعد الثورة السورية اصبحت تركيا في قلب الحدث بعد التأكد من ان ايران سوف لن تكف يدها عن سوريا وكل المؤامرات التي تحاك ضد النظام الجديد في دمشق مصدرة ايران وهذا ما يجعل تركيا المتحالفة مع نظام دمشق غير مكتوفة الأيدي لما يحصل من تكالب على سوريا ولن تهدأ الأمور طالما نظام طهران يتنفس الهواء .. مما يعني أبواب التدخل في الشأن الداخلي الايراني قد فتحت والبداية كانت بعد انظمام اوربا الى قافلة العقوبات الأمريكية على ايران.
ولكن كيف سيكون المشهد الجديد بعد الحراك الشعبي المتصاعد في ايران وبعد الحديث عن تفاهمات أميركية–إسرائيلية وهذا لا يعني أن المنطقة على أبواب حرب شاملة، وانما هناك سيناريوهات متعددة وأقربها كما يبدو دعم تصاعد الحراك في الداخل الايراني تفادياً لخسائر الحرب الشاملة، ولكن نجاح هذا الحراك يعتمد على مدى الدعم الخارجي السوقي واللوجستي وحتى العسكري خلافاً لما كان يحصل في السابق، لذلك اليوم يبدو هناك موقف دولي عبر عنه ترامب مؤخراً إذا أطلق النظام النار على المتظاهرين السلميين سنتدخل لانقاذهم وهذا الكلام ليس تعاطفًا إنسانيًا مع المحتجين، بل رسالة استراتيجية عالية الحدة تعبر عن وجود طرق متعددة ليس فقط لضمان حماية المتظاهرين من بطش النظام وانما ردود افعال تعتمد على مدى اختراق اسرائيل للمنظومة الأمنية سواء توفير مظلة للمتظاهرين بالطائرات المسيرة او اصطياد قادة الحرس الثوري كما حصل في السابق او ربما عمليات استخبارية وإلكترونية مزدوجة تقوم بها امريكا واسرائيل تتعلق بتآكل القدرة الايرانية على ضبط الشارع، وهناك سيناريو يتردد عن توجيه ضربة مركزة تستهدف رأس المرشد الاعلى علي خامنئي وعددًا من القادة السياسيين والعسكريين، بهدف إحداث فراغ قيادي داخل بنية النظام الإيراني وبالتالي إصابته بالشلل التام . مما يعني هل المراد من هذا الحراك أسقاط النظام وتكرار مفاجئة المشهد السوري، أم تحجيمه بالشكل الذي تريده امريكا وإجباره على التراجع عن المشاريع النووية والصاروخية والتدخلات في الشؤون الداخلية لدول المنطقة بعد تقليم أظافر حزب الله والحوثيين، وكذلك قرب وصول مارك سافايا إلى بغداد لفك ارتباط العراق بايران .. نعم الأيام القادمة حبلى بالمفاجئات لننتظر ونرى !!!.

إرسال تعليق