د. ثائر العجيلي
لم تعد الحرب في النظام الدولي المعاصر حدثًا استثنائيًا يُستدعى عند فشل السياسة، بل تحوّلت في كثير من الحالات إلى أداة سياسية قائمة بذاتها، تُستخدم لإعادة رسم التوازنات وفرض الوقائع. في هذا السياق، يمكن قراءة ما يُعرف بالرسالة الفنزويلية بوصفها نموذجًا دالًا على تحوّل أوسع في كيفية توظيف القوة داخل العلاقات الدولية، وانتقالها من منطق الردع التقليدي إلى ما يمكن تسميته بـ« فائض القوة ». يقوم هذا المنطق على امتلاك القدرة على استخدام القوة بما يتجاوز الحاجة الدفاعية المباشرة، وتحويلها إلى رسالة سياسية موجهة إلى الخصوم والحلفاء في آن واحد. فالقوة هنا لا تُستخدم فقط في الميدان، بل تُستثمر إعلاميًا ونفسيًا واقتصاديًا، لإعادة تعريف شروط التفاوض وحدود الممكن السياسي. وبهذا المعنى، تصبح الحرب - أو التهديد بها - وسيلة لإدارة الصراع لا لإنهائه. تعكس الرسالة الفنزويلية هذا التحول بوضوح، إذ لا تسعى إلى إعلان مواجهة شاملة، ولا إلى كسر كامل لقواعد النظام الدولي، بقدر ما تحاول تثبيت موقع تفاوضي جديد لدولة تشعر بأنها محاصَرة سياسيًا واقتصاديًا. في هذا الإطار، لا تُستدعى السيادة بوصفها مفهومًا قانونيًا مجردًا، بل كأداة سياسية تُقاس بالقدرة على الصمود وفرض الحضور، لا بحجم الاقتصاد أو القوة العسكرية التقليدية.
إن قابلية هذا المنطق للتعميم هي ما يمنحه خطورته الحقيقية. فحين يتحول فائض القوة إلى أداة مشروعة لإعادة ترتيب العلاقات الدولية ، تتراجع فعالية القواعد الناظمة، ويغدو استخدام التهديد – حتى دون تنفيذه – جزءًا طبيعيًا من السلوك السياسي للدول. عند هذه النقطة، لا يعود السلام نتيجة تفاوض متوازن، بل حالة مؤقتة تنتج عن اختلال ميزان القوة، وتبقى رهينة استمراره. على المستوى العالمي، يفضي هذا التحول إلى إضعاف تدريجي لمنظومة الضبط الدولية. فالمؤسسات والقوانين لا تختفي، لكنها تفقد قدرتها على فرض التزامات متساوية، وتتحول إلى أدوات انتقائية تُستخدم وفق مصالح القوى الأكثر تأثيرًا. وبدل أن ينتج ذلك نظامًا عالميًا أكثر استقرارًا، يُفضي إلى حالة سيولة استراتيجية، تتزايد فيها النزاعات المحدودة والحروب غير المعلنة. أما على المستوى الإقليمي، وخصوصًا في الشرق الأوسط، فإن منطق فائض القوة يجد بيئة ملائمة للتمدد، في ظل هشاشة التوازنات وتداخل الصراعات. هنا، لا تُستخدم القوة فقط بين الدول، بل عبر الفاعلين غير الدولتيين، لإدارة النزاعات وفرض وقائع ميدانية تُترجم لاحقًا إلى مكاسب سياسية. وبدل أن تكون الحرب استثناءً، تتحول إلى أداة تنظيم غير معلنة للنظام الإقليمي . في المحصلة، يشير تصاعد منطق فائض القوة إلى مرحلة يُعاد فيها تعريف السلام بوصفه نتيجة مؤقتة للحسم، لا ثمرة لتسوية. والسؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت هذه المقاربة قادرة على فرض استقرار مرحلي، بل ما إذا كان نظام دولي وإقليمي يُدار بهذا المنطق قادرًا على تجنّب انفجارات أوسع، في عالم تتقدم فيه القوة على السياسة، والحسم على التفاهم.

إرسال تعليق