عندما تسقط الأقنعة: الغرب يقترب من شرعنة إسقاط نظام الملالي بالقوة

مشاهدات


د. سامي خاطر 

أكاديمي وأستاذ جامعي



دعوة تيد كروز: لحظة كاشفة لانهيار اللغة الدبلوماسية

لم تكن دعوة السيناتور الأمريكي تيد كروز إلى تسليح المنتفضين في إيران فوراً مجرد تصريح انفعالي أو مناورة سياسية داخلية، بل مثّلت لحظة كاشفة لانهيار كامل في القاموس الدبلوماسي التقليدي الذي حكم مقاربة الغرب للنظام الإيراني على مدى عقود. حين يدعو سيناتور بارز في واشنطن إلى تمكين الشعب الإيراني عسكرياً لإسقاط علي خامنئي، فإن ذلك يعكس تحوّلاً في توصيف الصراع نفسه: 

من أزمة حقوق إنسان إلى حرب بين شعب أعزل وسلطة احتلال داخلية مسلّحة. من الاحتجاج إلى الإبادة : توصيف جديد للواقع الإيراني التقارير الواردة من الداخل الإيراني، والتي أكّدتها منظمات دولية مثل العفو الدولية، ترسم مشهداً لا يمكن احتواءه بمصطلحات "قمع الاحتجاجات". نحن أمام عنف منظم وممنهج يحمل سمات الإبادة السياسية. قنص مباشر من أسطح المساجد والمباني الحكومية، واختطاف الجرحى من المستشفيات، وتحويل المراكز الطبية إلى مصائد أمنية، إضافة إلى الحديث المتواتر عن مقابر جماعية وابتزاز عائلات الضحايا. هذا ليس فشلاً في إدارة أزمة، بل استراتيجية رعب تنتهجها سلطة ترى في المجتمع عدواً وجودياً.


نظام الملالي كسلطة بقاء لا دولة

في هذا السياق، يتبدد آخر أوهام التعامل مع النظام الإيراني بوصفه "دولة طبيعية". ما يواجهه الإيرانيون اليوم هو نظام بقاء، تحكمه عقيدة أمنية تعتبر أي تسوية أو تراجع مقدمة للانهيار. لذلك، فإن استخدام القوة المفرطة ليس خياراً اضطرارياً، بل أداة حكم . هذه الحقيقة هي ما يدفع أصواتاً غربية، مثل كروز، إلى  تجاوز الخطوط الحمراء التقليدية والدعوة إلى تغيير ميزان القوة على الأرض.


تسليح المنتفضين: بين الواقعية السياسية وكسر التابو

الدعوة إلى تسليح المتظاهرين تمثل كسر تابو في السياسة الغربية تجاه إيران. لكنها في الوقت ذاته تعكس منطقاً واقعياً: لا يمكن مطالبة شعب أعزل بمواجهة آلة عسكرية عقائدية تمتلك الحرس، والباسيج، وأجهزة استخبارات متشعبة. من هذا المنظور، فإن التسليح لا يُطرح كخيار عدواني، بل كآلية ردع دفاعي في مواجهة سلطة لا تعترف بأي قيود أخلاقية أو قانونية.


تحوّل المزاج الدولي: من الاحتواء إلى الضغط الأقصى

دعوة كروز لا تأتي في فراغ، بل تتقاطع مع تحرك أمريكي أوسع لإعادة تفعيل سياسة الضغط الأقصى. اجتماع براغ، الذي جمع الولايات المتحدة وممثلي 40 دولة، يعكس إدراكاً متزايداً بأن نظام الملالي لم يعد مشكلة إقليمية، بل تهديداً دولياً متعدد الأبعاد. التركيز على التطبيق "الفوري والكامل" لقرارات مجلس  الأمن يشير إلى نفاد الصبر من سياسة التراخي والتأجيل.


العقوبات كأداة خنق لا ردع

النقاش في براغ لم يقتصر على المواقف السياسية، بل تناول التحديات التقنية والأمنية لتطبيق العقوبات.عرض واشنطن تقديم مساعدات تخصصية وتقنية-أمنية يكشف عن نية واضحة لتحويل العقوبات من أداة رمزية إلى آلية خنق حقيقية، تهدف إلى حرمان النظام من الموارد التي تمكّنه من تمويل القمع في الداخل والتخريب في الخارج.


إعادة تعريف الاستقرار: رحيل النظام كشرط مسبق

اللافت في الخطاب الغربي المتصاعد هو الانتقال من فكرة &quot ;تعديل سلوك النظام" إلى قناعة متزايدة بأن  الاستقرار لا يمكن تحقيقه بوجود نظام الولي الفقيه. لم يعد يُنظر إلى ما يجري في إيران كأزمة قابلة للإصلاح، بل كصراع صفري، حيث بات رحيل النظام يُقدَّم، ولو ضمنياً، كشرط مسبق لأي استقرار داخلي أو إقليمي .


مخاطر التصعيد… وكلفة التردد

صحيح أن الدعوة إلى تسليح المنتفضين تفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيد خطيرة، إلا أن البديل-أي التردد والاستمرار في الإدانة اللفظية- يحمل كلفة أكبر. فكل يوم تأخير يعني مزيداً من القتلى، ومزيداً من ترسيخ قناعة النظام بأن المجتمع الدولي عاجز أو غير راغب في الفعل. 


الساعة صفر في طهران: الغرب أمام خيار الحسم الاستراتيجي

يقف الغرب اليوم أمام لحظة اختيار: إما الاستمرار في إدارة الأزمة، أو الاعتراف بأن ما يجري في إيران هو معركة تقرير مصير. دعوة تيد كروز، مهما كانت مثيرة للجدل، تعكس حقيقة باتت تتبلور في دوائر القرار: نظام الملالي لا يسقط بالبيانات، ولا يردعه القلق الدبلوماسي، بل يخضع فقط لتغيير ميزان القوة.


السؤال لم يعد إن كان هذا التحول سيحدث، بل متى وبأي كلفة.


تعليقات

أحدث أقدم