نصار النعيمي
تأسس الجيش العراقي في سياق بناء الدولة العراقية الحديثة بعد الحرب العالمية الأولى، ليكون المؤسسة العسكرية الرسمية للدفاع عن سيادة العراق.
ففي السادس من شهر كانون الثاني (يناير) من عام 1921، شكلت أول كتلة عسكرية تُعرف بأسم فوج موسى الكاظم في العاصمة بغداد خلال فترة الانتداب البريطاني، وقد كان هذا الفوج بداية تنظيم الجيش العراقي الحديث بقيادة ضباط عراقيين أكفاء، شهدت هذه المرحلة بناء الهياكل الأساسية وتطوير الصنوف العسكرية، بما في ذلك تأسيس القوة الجوية عام 1931 والبحرية لاحقًا، شارك الجيش العراقي البطل في الحرب العربية–الإسرائيلية 1948 ضد الكيان الصهيوني، وشارك في معارك 1967 و1973 إلى جانب الجيوش العربية في الدفع عن الشقيقة سوريا، ومن أصعب وأقسى المحطات في تاريخ الجيش العراقي دخوله في ثمانينات القرن العشرين بحرب طويلة مع إيران (1980–1988)، وسطر فيها الجيش العراقي ملاحم بطولية كبيرة رسخت في التأريخ وأصبحت مناراً يستنار به في العديد من الاكاديميات العسكرية الكبرى في العالم، نستذكر منها معارك كبرى مثل معركة تحرير مدينة الفاو في عام 1988 التي مثّلت نقطة فاصلة نحو نهاية الحرب، عرفَ الجيش العراقي في نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي من أكبر الجيوش في المنطقة والشرق الاوسط، وللأسف بعد دخوله في فخ حرب الخليج عام 1991 تراجعت القدرات العسكرية ضد تحالف ضم 33 دولة، أدى ذلك إلى ضعف جدي في معداته وتنظيمه. رغم ذلك حفظ التأريخ للجيش العراقي بسالته في مواجهة هذه الجيوش، ففي معركة الخفجي وهي إحدى أبرز النازلات التي جرت بين جيش العراق وجيوش 33 دولة بقيادة الجيش الأمريكي بكل معداته، إذ في ليلة 29–30 يناير 1991 شنت قوات الجيش العراقي البطلة هجومًا مفاجئًا بسيارات مدرعة ومشاة على مدينة الخفجي واستولت عليها، وسقطت المدينة تحت هول مبدأ المباغتة بعد أن فجّرَ الجيش العراقي مفاجأة تكتيكية واستغلَ ضعف الدفاعات في الحدود. خلال القتال واجهت قوات التحالف حوادث نيران صديقة بين وحداتها بسبب الارباك الذي حصل ومباغتة الجيش العراقي، وبحسب ما نشر في المواقع الدولية عن خسائرها، إذ خسرت قوات التحالف 43 قتيلاً و52 جريحاً. كانت أول مواجهة برية كبيرة بين الجيش العراقي وقوات التحالف خلال حرب الخليج الثانية، وميزتها سيطرة الجيش العراقي على المدينة قبل استعادتها من قبل التحالف بعد قتال عنيف على مدى 3 أيام رغم التفوق الجوي للتحالف. شارك الجيش العراقي بقوات نظامية متعددة بهدف التقدّم من جنوب الكويت إلى السعودية والسيطرة على مدينة الخفجي. القوات العراقية التي شاركت في الهجوم كانت من تشكيلات رئيسية في الجيش العراقي التقليدي، ولم تكن من وحدات النخبة في مقدّمة الهجوم، بل كانت وحدات من فرقٍ آلية ومدرّعة ضمن قوات الجيش النظامي، منها الفرقة الأولى الآلية، الفرقة الثالثة المدرعة، الفرقة الخامسة الآلية، كانت هذه الوحدات جزءًا من الفيلق الثالث العراقي في المسرح الجنوبي خلال حرب الخليج.
أما المحطة الأكبر والتي لم يكشف الغطاء عنها بصورة دقيقة هي قتال الجيش العراقي البطل دفاعاً عن أرضه في “معركة المطار: بتأريخ نيسان من عام 2003، وهي معركة ضروس حدثت بين قوات النخبة الامريكية ومن تحالف معها، ونخبة من قوات الجيش العراقي . وبحسب ما نشر عن مجمل المعركة، بأن القصف الصاروخي والجوي تم بصورة محددة، ووصلت عدد الطلعات الجوية للطائرات القاصفة من قوات التحالف مجتمعة الى 1700 طلعة جوية، خلال ثلاثة أيام وألقي ما يقرب من 504 صاروخ كروز على اهداف منتخبة ضمن منطقة العمليات في معركة المطار. وبحسب تقارير دولية وصلت خسائر الجيش الأمريكي الى أكثر من ألفي قتيل وعدد كبير من الجرحى والمعدات، ولو سمحوا للمصورين ان يلتقطوا فيها الصور لكانت صور محرقة قد تمت لهم، في هذه المنازلة، من جهته حدثنا شاهد العيان اللواء الركن وعد العمري، الذي كان يحمل حينها رتبة عقيد ركن عن مشاركته الفعلية في معركة المطار قائلاً" بتاريخ الرابع من شهر نيسان من عام 2003 وبالتحديد الساعة 1020والذي صادف يوم جمعة، خاضت جحافل لواء الواجبات الخاصة 26 الابطال معركة المطار الشهيرة ضد قوات الاحتلال الامريكي، فبعد القيام باستطلاع قوة العدو، تم استمكانه ومعرفة عدد قواته وتمركزها داخل المطار، إذ قام قائد القوة المهاجمة بتقسيم قوته للإغارة على العدو، والتي تألف من فوج قوات خاصة زائد الى جماعة صولة وجماعة اسناد وجماعة ستر الانسحاب، وتقدمت القوة بكل عزيمة وبمعنويات عالية باتجاه مواقع العدو والتزم الجميع بضبط نار عالي خلال التقدم، متخذين من عملية الاحاطة من الجانب بغية الوصول الى اقرب ما يمكن منه، بحيث اصبح العدو في منطقة قتل مناسبة وقريبة جداً ولا يفصل القوة المهاجمة عن العدو إلا جدار بارتفاع اكثر من (3 م )يبعد عن ناقلات العدو سوى 200 متر، وضمن مدى القاذفة ار بي جي سفن المضادة للدروع، وتحقق مبدأي المباغتة والصدمة الذي تسبب بإرباك العدو ، ما اضعف رده، بخاصة عندما تم فتح النار من قبل جماعة الصولة بكافة الاسلحة بآن واحد وبإيعاز من قائد القوة المهاجمة وتم كسب المبادأة التي أفقدت العدو السيطرة تماماً ولم يكن لديه إلا محاولات يائسة للهرب والتخلص من كثافة نيران القوة المهاجمة التي استمرت اكثر من 15 دقيقة بكافة الأسلحة وتم خلالها تدمير الناقلات الست وقتل كل طواقمها وايضاً تم تدمير واسقاط برج المراقبة الذي كان يتمركز فيه عدد من جنود العدو، وسمعنا صراخهم الممزوج بالرعب واستنجادهم الأخير قبل ان تصبح جثثهم رمادا ودباباتهم خردة، من جهته، قال العميد الركن في الجيش العراقي وسكرتير وزير الدفاع العراقي الاسبق وليد الراوي، في شهادة تلفزيونية أدلى بها قبل سنوات، إن معركة المطار حسمت غزو العراق، وأضاف الراوي أن مطار بغداد شهد ثلاثة معارك وليست واحدة، لافتا إلى أن الجهد الرئيس للقوات الأميركية كان من جنوب بغداد، وتحديداً فرقة المشاة الثالثة الأميركية، التي تقدمت نحو المطار في الثالث من نيسان، وسيطرت على أجزاء منه، ويتابع أن الحرس الخاص العراقي واللواء 26 حرس جمهوري (ضفادع بشرية) شنّا هجوما مضادا، وأبادا طلائع القوة المهاجمة، التي ضمت مدرعات أميركية، حيث انسحبت القوات الأميركية على إثر ذلك في اليوم ذاته باتجاه خط المرور السريع، الذي يربط منطقة اليوسفية بمنقطة أبي غريب، ويذكر الراوي في شهادته أنه نتيجة لذلك، فتحت القوات الأميركية سبعة خطوط نيران تجاه القوة المدافعة عن المطار، مما أدى إلى إبادة القوات العراقية، واحتلال مطار بغداد للمرة الثانية في 4 نيسان، وللتأريخ قال احد مقاتلي الجيش العراقي المشاركين في معركة المطار رافضاً ذكر اسمه، إن الدبابات الأمريكية الغازية تدمرت على طريق المطار في معركة بغداد اثناء الغزو الأمريكي الهمجي للعراق سنة 2003، مما تقدم يتبين أن معركة المطار التي قصمت ظهر البعير قبل 20 عاما، لم تكن متكافئة ولا تقليدية، ولولا استخدام العدو الأمريكي للأسلحة الفتاكة والقنابل الشبه نووية والصواريخ الهائلة التدمير، لم يتمكن من احتلال المطار، نفتخر بضحايا قواتنا المسلحة الابطال كلما عادت لنا الذكرى الأليمة، ونسأل الله أن يجعلهم في عليين. بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تم حل الجيش العراقي رسميًا بقرار جائر من قبل الإدارة الأمريكية، ثم أعيد بناء الجيش كمؤسسة عسكرية حديثة مع تدريب خارجي ودعم من التحالف الدولي، إذ لعب الجيش العراقي دوراً بارزاً ومهماً في محاربة تنظيم داعش وتحرير المدن المغتصبة واعادتها الى حضن الوطن. تتعاقب أجيال أسود للجيش العراقي ويتوالى تسليم الأمانة للأجيال اللاحقة، تاريخاً حافلاً بالنصر والذود عن حدود العراق، وتبقى ذكرى تأسيس الجيش العراقي فرحاً غامراً في قلوب العراقيين ورمزاً للتضحية والفداء ليبقى الوطن شامخاً حراً على مدى الأجيال.

إرسال تعليق