عن مناورات منصب رئيس الوزراء في العراق؟

مشاهدات




د. ولاء سعيد السامرائي


نشر المعهد الهولندي للعلاقات الدولية بعد الانتخابات النيابية العراقية، التي جرت في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تقريراً ورد فيه أنها انتخابات تكرّس تجزئة السلطة في العراق، وأن البرلمان بلا فائز، وما حصل هو تنافس على النفوذ، وليس على التفويض الشعبي. يصدر التقرير عن معهد رصين، تصل تقاريره إلى الدول الأوروبية والاتحاد الأوروبي. والتقرير المتحدّث عنه يصدر بتفاصيل وبتقييم وتوصيف دقيق لما يجري في المنطقة الخضراء ببغداد. وعلى حكومة عملية الاحتلال السياسية وبرلمانها، وبالأخص على رئيس المحكمة الدستورية فائق زيدان، الذي ينسج القانون وفق تعليمات السفير الإيراني، والذي تغاضى عن الخروق الواضحة، أن تفسّر ما أورده التقرير تحذيراً وتذكيراً بأن الدول تراقب، وتعرف ما يجري من احتكار للسلطة من مجموعة محدودة، وانعدام الديمقراطية الذي تمثل بتزوير نتائج الانتخابات، وهو ما يعني أنه لم يكن هناك أي فوز لأي نائب، أو فوز عدد محدود فقط، لكن أغلبية المقاعد وُزّعت بين ساكني المنطقة الخضراء بحسب حجم نفوذ كل كتلة، في غياب مشاركة شعبية تفوق 80%، بسبب رفض أغلبية العراقيين المشاركة في الانتخابات للمرّة الثالثة على التوالي. يشهد التقرير الهولندي التفصيلي عن الانتخابات على مصداقية قطاعات واسعة من أبناء الشعب العراقي أولاً، وعلى مصداقية جهات مهتمة ومختصة ومراقبين تابعوا سير العملية ومراكز الانتخابات وبث نتائجها مباشرة في كل المحافظات، وخرجوا بالتقييمات نفسها المشار إليها في التقرير من التزوير والتلاعب بالأرقام التي كانت تُعلن وتُحدّث باستمرار، خصوصاً نسب المشاركة الشعبية الهابطة التي فنّدها المراقبون بحسابات بسيطة من جداول مفوضية الانتخابات نفسها، بعد ادعاء الحكومة أن نسبة المشاركة قد وصلت إلى 56%. 


بعد 22 عاماً من التمرّس في تسويق الانتخابات والحكومات، والتمرس في البيع والشراء للمناصب والمحسوبية والمنسوبية التي تنخر الدولة من أصغر وظيفة إدارية إلى المناصب السيادية مثل منصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس المجلس الوطني، ليس وفق المحاصصة غير الدستورية فحسب، بل وفق العُرف الذي تتمسّك به الأحزاب السياسية وقادتها بصفته مقدّساً  لا يجوز مسّه، بل يُجرّم من يتجرّأ على نقده أو إلغائه، رغم أنها أصلاً فكرة أسس لها الاحتلال الأميركي وحاكمه المدني بول بريمر المكلف بتفكيك الدولة العراقية . لم يعد أيّ من هذه الأحزاب ولا من حاشياتها وخدمها ومتملقيها يخفي أنه اشترى هذا المنصب أو ذاك، فقد انتشر خبر بيع منصب رئاسة البرلمان الجديد بمائة مليون دولار، وجرى تداوله ولم يكذّبه لا البائع الذي حاول العودة مجدّداً إلى المنصب، ولا المشتري من عشيرته، ويتنافس على منصب رئيس الجمهورية الحزبان الكرديان بتفاهمات من الأخذ والعطاء لم تثمر نتائجها بعد، لكنّ الصراع الأشد بين هؤلاء هو على منصب رئيس الوزراء، اللقمة الكبرى والأغلى في الكعكة العراقية التي يشهد التنافس عليها مناوراتٍ لم تنته منذ نشر نتائج الانتخابات. منذ أسابيع، ورغم الاجتماعات المتواصلة والمتكرّرة للإطار التنسيقي، الذي نصّب نفسه الحاكم بأمره على العراق، فإن الحرب الخفية في أوجها بين رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني الذي فاز تحالفه "الإعمار والتنمية" في الانتخابات بـ50 مقعداً، ليكون الأول بين القوى المشاركة في عملية الانتخابات، ورئيس الوزراء السابق نوري المالكي الحاصل على خمسة مقاعد فقط. هذه الكتلة من المتنعّمين بالسلطة ومال الدولة السائب الذي يغرفون منه المليارات من دون حساب ومن دون توقف ولا محاسبة، في طغيانهم يعمهون، بينما يعيش العراق أسوأ فترات تاريخه، من دون سيادة، مخترَقاً، تمزّقه الفوضى والفساد، تئن نسبة كبيرة من أبنائه تحت خط الفقر واستمرار عدم توفر الخدمات الأساسية العامة من ماء وكهرباء وصحة، ومن اقتصاد منهك وزراعة مهملة، لفسح المجال لاحتلال صادرات الجارة إلى السوق العراقية، يمنحون أنفسهم ترف المماطلة والمراوغة والتذاكي، لتأخير استحقاقات الدولة وتسييرها والاستجابة لمطالب الناس وحاجاتهم المشروعة، بعدم حسم اسم رئيس الوزراء لأسبابٍ شخصية، الحق كعصبة، اعتبار بعضهم شخص نوري المالكي الرجل الضرورة للمرحلة، لإزاحة الفائز السوداني الذي تنازل فجأة للمالكي، في حركةٍ اعتبرت أنها لعبة لجعله في مواجهة الشارع الصدري المناوئ له، ويرفضه وبمواجهة الشارع العراقي المتحامل عليه، إضافة إلى أن اسمه لن يحظى بقبول أميركي، وفق إجراءاتٍ طالبت بها إدارة ترامب من الحكومة العراقية بشأن التعامل مع إيران، وعلاقة شخصيات العملية السياسية معها، والمالكي أحد أهم أقطاب العملية السياسية التي لها علاقات وثيقة مع ايران.


 لم يخف المالكي طموحه في الحصول على ولاية ثالثة، بل يبدو مستقتلاً ومصرّاً، وبعناد وأبوية ليست في مكانها لانتزاع المنصب بكل الوسائل، وأنه يعتبر نفسه الوحيد القادر على تحمّل مسؤولية الأوضاع الجديدة التي تفرضها ضغوط إدارة الرئيس الأميركي ترامب على العراق والمنطقة، بينما تعتبر غالبية الشعب العراقي فترتي حكمه 2006-2014 وما جرى فيها من حربٍ طائفيةٍ من أسوأ ما مرّ على العراق، لا يرغب على الإطلاق في تكرّر وجوه المسؤولين عنها وتذكر آلامها وجراحها التي لم تندمل بعد، بل بعد 22 عاماً، ما زالت مقولة "المجرّب لا يجرّب" التي قيلت بحقّه ما زالت تنطبق عليه، وعلى مجمل العملية السياسية وأحزابها المنتهية صلاحيتها شعبياً، الغارقة بالفساد والنهب وتدمير بقايا الدولة، بضمنهم محمد شياع السوداني الذي هو جزء من المنظومة بكل مثالبها، وفي حال نجح مؤيدوه في "الإطار التنسيقي" في ترجيح كفته لمنصب رئيس الوزراء مجدّداً، فإنه سيتسلم، بحسب الإعلام الحكومي، خزينة خاوية من السيولة، لن تمكّنه من دفع رواتب الموظفين، وهو الذي أدّعى بداية رئاسته أن الخزينة مليئة بالأموال، وسيحارب أول ما يحارب الفساد. ولكنه وبدل محاربة الفساد، فقد بدأت رئاسته بفضيحة سرقة القرن، تلتها فضيحة قرن ثانية، وما سوّق مشاريعَ إعمار وبناء، ظهر اليوم أن عقودها غير مدفوعة، إذ تظاهر المتعهدون أمام مجلس النواب مطالبين بتسديد فواتير المشاريع التي هي بشهادة المواطنين فاشلة، لا تصمد حتى قبل الانتهاء منها، في هدر صارخ للمال العام وفوضى في التخطيط والمشاريع والإعمار هدفها الدعاية الحزبية والشخصية، وتولي ولاية ثانية عملا بسيرة أسلافه. واستبق مناورات حسم منصب رئاسة الوزراء وبقائه رئيسا لحكومة تصريف الأعمال بإجراء استسهله، لا يتطلب منه مواجهة أطراف العملية السياسية، مثل مكافحة الفساد، بل بفرض ثلاثة أنواع من الضرائب على المواطنين والقطاع الخاص بشكل مفاجئ وغير مدروس، ومن دون استشارة المختصين والاقتصاديين الأكفاء، للحصول بسرعة على السيولة المطلوبة للخزينة العامة، ولدفع رواتب الموظفين، بدلاً من اتخاذ إجراءات يطالب بها الشعب ضد الفساد، وسعر صرف الدينار المتلاعب به، وسرقة ثروات العراق، في جريمة منظّمة ولو بخطوات تدريجية، ما أثار هياج (وغضب) المواطنين العراقيين الذين يحلبون في رواتبهم وقوتهم وحياتهم ويعيشون بؤس انعدام الخدمات الأولية والفوضى والتخبط في إدارة ما تُسمى بالدولة، لأن الواقع يشهد أن الشعب العراقي لا يرى وجود دولة، بل فئةً كل همّها الاغتناء السهل الذي توفره العملية السياسية لكل من يدخل إلى بؤرتها التي لم يعُد الشعب العراقي يطيقها ولا يتقبلها... هذه الفوضى وانعدام المهنية المنتشرة بفعل الدولة نفسها وانتشار البطالة في كل محافظات العراق، وبنسب عالية جداً، وخصوصاً بين الشباب والخرّيجين الذين يتظاهرون بانتظام، للمطالبة بحقوقهم من كل الأصناف، ومنهم خرّيجو كليات الطب والهندسة، تحفر في كل لحظة المزيد من الغضب والسخط والثورة في عقول (ونفوس) كل فئات الشعب العراقي الذي ثار أكثر من مرّة، لاستعادة دولته وبلده.





تعليقات

أحدث أقدم