عبد الحفيظ السريتي
كاتب مغربي
حين تنفذ دولة ما عملية عسكرية داخل إقليم دولة ذات سيادة بهدف اختطاف رئيسها ونقله خارج البلاد، فإن المسألة تتجاوز حدثا أمنيا أو نزاعا ثنائيا. نحن أمام اختبار مباشر لجوهر النظام الدولي بعد 1945: حظر التهديد أو استعمال القوة، ومبدأ السيادة وعدم التدخل، واحتكار مجلس الأمن سلطة الإذن باستخدام القوة في غير حالات الدفاع الشرعي. ولهذا السبب، أثارت عملية الولايات المتحدة ضد فنزويلا واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني 2026 جدلا واسعا حول "السابقة الخطيرة"، ومعنى تآكل الشرعية الدولية عندما تصبح القوة وسيلة لتغيير الواقع السياسي.
المادة (2/فقرة 4) ليست "تفصيلا قانونيا" بل عمود النظام الدولي
تنص المادة (2/فقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة على التزام الدول بالامتناع في علاقاتها الدولية عن التهديد باستعمال القوة، أو استعمالها ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأي دولة . هذه القاعدة ليست مجرد بند قانوني، بل هي "العقد الاجتماعي" بين الدول : إذا سقطت، يعود العالم إلى منطق "القوي يفرض" بدل "القانون يقيد". الخطير هنا أن الميثاق لا يحظر الحرب فقط، بل يحظر أيضا التهديد بها. إن مجرد إعلان نية التدخل العسكري لفرض تغيير سياسي، أو اختطاف قيادة دولة - حتى قبل التنفيذ - يمس الشرعية الدولية؛ لأنه يحول القوة إلى أداة سياسة يومية، ويرهب الدول الصغرى، ويفرغ السيادة من مضمونها. الاستثناءات التي تسمح بالقوة محدودة جدا، و"اعتقال" رئيس دولة لا يدخل فيها عادة.
الميثاق يسمح باستخدام القوة في حالتين أساسيتين :
- تفويض مجلس الأمن تحت الفصل السابع.
- الدفاع الشرعي وفق المادة (51) إذا وقع هجوم مسلح، وبشروط الضرورة، والتناسب والإبلاغ.
لكن تحويل عمل عسكري داخل دولة ذات سيادة إلى "إنفاذ قانون"، أو "ملاحقة جنائية" يصطدم بحدود القانون الدولي؛ فالاتهامات الجنائية (مثل المخدرات أو الإرهاب) لا تمنح بذاتها حقا باستخدام القوة العسكرية داخل أراضي دولة أخرى، ما لم يتوافر معيار الدفاع الشرعي، أو تفويض مجلس الأمن، أو موافقة الدولة المعنية. لهذا، رأت تحليلات قانونية أن تبريرات "الاعتقال" لا تنسجم مع الإطار الصارم لاستعمال القوة في القانون الدولي.
لماذا يعد هذا نمطا يهدم شرعية الدولة؟
القانون الدولي لا يقوم فقط على منع الغزو، بل أيضا على منع القسر السياسي الذي يفرض على دولة خيارات داخلية (نظام الحكم/السياسات الأساسية) تحت ضغط خارجي. محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة (1986) ربطت مبدأ عدم التدخل بفكرة القسر: دعم أعمال مسلحة أو ضغط قسري يهدف إلى فرض تغيير سياسي يُعد انتهاكا لمبدأ عدم التدخل. إن اختطاف رئيس دولة بالقوة المسلحة داخل إقليم دولته يذهب أبعد من "التدخل" التقليدي؛ إنه نزع للولاية السيادية وفرض لسلطة خارجية على رأس الهرم السياسي، وهو ما يجعل مفهوم السيادة نفسه هشا، فإذا كان بالإمكان "سحب" رأس الدولة بالقوة، فما الذي يبقى من استقلالها السياسي؟
منطق العدوان وخطر تحويل العالم إلى سوابق قابلة للاستنساخ
حتى عندما تختلف الدول حول توصيف حدث ما، يتبقى معيار أساسي في الأدبيات القانونية : العدوان هو استخدام القوة المسلحة ضد دولة أخرى خلافا لميثاق الأمم المتحدة. تعريف العدوان في قرار الجمعية العامة رقم 3314 (1974) وفر لغة معيارية لما يعتبر "عدوانا" على مستوى الدولة. وعلى مستوى المسؤولية الجنائية الفردية، عرف "جريمة العدوان" في نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية (المادة 8 مكررا بعد تعديلات كمبالا)، بوصفها التخطيط أو الإعداد أو الشروع أو التنفيذ لعمل عدواني يشكل "انتهاكا واضحا" لميثاق الأمم المتحدة.
المغزى السياسي : حين تُكسر قاعدة (2/فقرة 4) دون مساءلة فعالة- بسبب اختلالات ميزان القوة وحق النقض- تتحول الواقعة إلى سابقة . وهذا، تحديدا، ما أشار إليه الأمين العام للأمم المتحدة عبر وصفها "سابقة خطيرة"؛ لأن السوابق لا تبقى محلية، فقد تُستخدم لاحقا لتبرير تدخلات في مناطق أخرى من العالم تحت ذرائع "حماية الأمن" أو "إنفاذ القانون".
لماذا يهدد ذلك "فكرة القانون الدولي" وليس فقط نصوصه؟
إن القانون الدولي يعتمد في جزء كبير منه على الامتثال الطوعي وسمعة الدول، وعلى مؤسسات جماعية مثل مجلس الأمن. فعندما ترى الدول أن القوة تستخدم انتقائيا، وأن الأقوياء يفلتون من العواقب، تتآكل شرعية النظام من الداخل عبر ثلاث نتائج:
- تطبيع الاستثناء: تصبح القواعد "مرنة" حسب مصلحة الأقوى، فيفقد القانون وظيفته الكابحة.
- سباق التسلح والردع: الدول الصغرى قد تستنتج أن الحماية الحقيقية ليست في القانون، بل في الردع الصلب والتحالفات العسكرية.
- تفكك الأمن الجماعي: إذا عجز مجلس الأمن عن فرض معيار واحد (بسبب الفيتو والاستقطاب)، يصبح الميثاق إطارا أخلاقيا أكثر منه منظما فعالا.
"الردود القانونية" للدول لا تسمح بما لا يسمح به الميثاق
قد تقول دولة متدخلة إنها مارست "إجراء مقابلا" أو "تدبيرا عقابيا" ردا على أفعال غير مشروعة، لكن قواعد مسؤولية الدول تميز بوضوح : التدابير المضادة/الجزاءات لا تجيز استعمال القوة العسكرية. هذا منطق راسخ في القانون الدولي كما يظهر في مواد لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دوليا.
بمعنى آخر: حتى إن وُجد نزاع قانوني أو اتهامات أو خروقات، يظل المسار المشروع- وفق التصميم الأممي- هو التحكيم، القضاء الدولي، العقوبات الجماعية بمجلس الأمن، أو التدابير غير القسرية المسلحة. أما الانتقال إلى القوة لفرض تغيير سياسي، أو اختطاف قيادة دولة، فهو قلب لفلسفة النظام الدولي: من قانون ينظم القوة، إلى قوة تعيد تعريف القانون.
اختطاف مادورو تحدٍ صارخ للصين وروسيا
يمثل التدخل العسكري الأميركي في فنزويلا واختطاف رئيسها تحديا مباشرا للصين، وروسيا على ثلاثة مستويات متداخلة :
أولا: على مستوى النفوذ في "الفضاء القريب" الأميركي (نصف الكرة الغربي)، إذ يوصل رسالة مفادها أن واشنطن مستعدة للانتقال من العقوبات إلى فرض الوقائع بالقوة؛ لإعادة ضبط التوازنات في أميركا اللاتينية، بما يحد من قدرة بكين، وموسكو على تحويل الشراكات الاقتصادية- الأمنية إلى مظلة ردع سياسية في المنطقة.
ثانيا: على مستوى المصالح المادية: الصين هي واحدة من أهم الداعمين الماليين/التجاريين لفنزويلا عبر ترتيبات نفط وقروض وتعاون متزايد، وقد جاء استنكارها عملية 3 يناير/كانون الثاني بلهجة حادة، واعتبرتها انتهاكا للقانون الدولي، وتهديدا لاستقرار أميركا اللاتينية.
بل إن تقارير أشارت إلى أن العملية وقعت بعد ساعات من لقاء وفد صيني مع مادورو لتأكيد الدعم، ما يجعل الحدث في القراءة الصينية بمثابة إهانة إستراتيجية تظهر هشاشة استثمارات النفوذ أمام القوة الصلبة الأميركية. أما روسيا، التي طالما استخدمت تعاونها العسكري والسياسي مع كاراكاس لإبراز قدرتها على العمل في "خاصرة" الولايات المتحدة، فقد أدانت العملية ووصفتها بانتهاك السيادة، وطالبت بالإفراج عن مادورو، في إشارة إلى أن واشنطن لا تختبر فنزويلا فقط، بل تختبر أيضا مصداقية موسكو كحامٍ للحلفاء في مواجهة التدخلات.
ثالثا: على مستوى القواعد: الحدث يُشكك في سردية الصين، وروسيا حول "عالم متعدد الأقطاب" قائم على سيادة الدول، وعدم تغيير الأنظمة بالقوة؛ لأنه يخلق سابقة قد تستخدم لتبرير أفعال مماثلة في ساحات أخرى، أو على الأقل يعمق منطق "القوة تصنع الشرعية" الذي تسعى بكين، وموسكو إلى مقاومته خطابيا، حتى لو كان الرد العملي في المدى القريب سيبقى غالبا ضمن أدوات الدبلوماسية والاقتصاد، وخلق كلفة سياسية للولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة والمحافل الدولية.
على سبيل الختم
إن استعمال القوة داخل دولة ذات سيادة واختطاف رئيسها يعني- في جوهره- أن الدولة المتدخلة تعلن عمليا: الشرعية الدولية ليست قيدا حاسما عندما تتعارض مع أهدافها. وهذا أخطر تهديد للقانون الدولي ؛ لأنه لا يُدمر نصا واحدا بل يهدم الثقة في قابلية القواعد للتطبيق على الجميع. ولهذا، فالقضية ليست "فنزويلا" فقط، إنها سؤال عالمي : هل يبقى ميثاق الأمم المتحدة مرجعية جامعة لحظر القوة، أم يتحول إلى وثيقة تُستحضر انتقائيا، بينما تدار السياسة الدولية بمنطق الواقع المفروض؟

إرسال تعليق