د. ثائر العجيلي
المقدمة:
لم يعد في العراق مجال للّعب على الحواف، ولا للحديث بلغة الوسط. الرسالة هذه المرة جاءت من أعلى نقطة تأثير في السياسة الأميركية، وبأوضح صيغة ممكنة : فيتو علني باسم دونالد ترامب على عودة نوري المالكي.
حين يخرج دونالد ترامب عن صمته ويُسمّي الاسم والنتيجة والعقوبة دفعة واحدة، فذلك يعني أن واشنطن انتقلت من مرحلة التحذير الدبلوماسي إلى مرحلة القرار السياسي. لم يعد الحديث عن "قلق" أو "عدم ارتياح"، بل عن قطع مساعدة، وتجفيف دعم، وتحميل مباشر للمسؤولية أمام الداخل العراقي والخارج معًا. في المقابل، يجد نوري المالكي نفسه لأول مرة منذ سنوات أمام فيتو أميركي علني لا يعمل في الغرف المغلقة ولا يتخفّى خلف الوسطاء. فيتو يربط اسمه صراحةً بالفوضى والفقر والانهيار، ويضع عودته في خانة المغامرة عالية الكلفة على مستوى الدولة لا الشخص فقط. هذا التحول لا يمكن قراءته كتصريح انتخابي عابر، ولا كاستعراض ناري معتاد. ما قاله ترامب يعكس منطقًا راسخًا في واشنطن:
الرئيس هو الخط الأول للتأثير، وما بعده تفاصيل تنفيذ. وعندما يتكلم بهذه الصراحة، فإنه يفتح الطريق أمام أدوات ضغط حقيقية - سياسية، مالية، وأمنية- ويمنحها غطاءً علنيًا.
العراق اليوم في عين العاصفة لأن معركته لم تعد داخلية فقط. إنها معركة كلفة القرار في زمن الصراحة الأميركية. بين خيار حكومة تُدار بمنطق السيادة وتخفيف المخاطر، وخيار مواجهة فيتو علني قد يحوّل الدولة إلى ساحة اختبار قاسٍ لقدرتها على الصمود.
من هنا، لا يعود السؤال: هل يستطيع المالكي العودة؟
بل: هل يستطيع العراق تحمّل كلفة تحدّي فيتو ترامب؟
القسم الأول : كيف تغيرت عناصر المشهد الآن؟
أولًا: لماذا تغيّر خطاب واشنطن؟
فشل "الإدارة من الخلف"
التحول في لهجة واشنطن ليس انفعالًا ظرفيًا، بل نتيجة تراكم فشل نموذج "الإدارة من الخلف" في العراق. لسنوات، تعاملت الولايات المتحدة مع بغداد بوصفها ساحة يمكن احتواؤها عبر التوازنات، لا حسمها عبر الشروط. لكن هذا النموذج أنتج ثلاث نتائج معاكسة تمامًا للمصالح الأميركية:
1. تعاظم نفوذ إيران داخل مؤسسات الدولة دون تحمّل كلفة سياسية أو أمنية مباشرة، ما جعل القرار السيادي مزدوج المصدر.
2. تحوّل الفصائل المسلحة إلى لاعب مستقل يفرض إيقاعه على الدولة، لا أداة ضمنها، ويُربك أي التزام أمني أو سياسي.
3. تآكل مصداقية الشراكة: تعهدات تُنقَض، وضبط سلاح لا يتحقق، وحياد يُعلن ولا يُحترم.
لهذا أعادت واشنطن تعريف العلاقة:
العراق لم يعد "شريكًا صعبًا"، بل شريكًا محدود الثقة.
وهنا يصبح التحذير من "حكومة تُنصَّب بإملاء إيران" تعريفًا عمليًا لخط أحمر لا خطابًا أخلاقيًا.
ثانيًا: توقيت الرسائل… لماذا الآن تحديدًا؟
التوقيت هو المفتاح. الرسائل الأميركية جاءت عند تقاطع ثلاث لحظات :
• لحظة إقليمية متوترة مع إيران، حيث يجري الانتقال من الردع الكلامي إلى الردع العملي.
• لحظة عراقية انتقالية: حكومة مقبلة، استحقاق رئاسي معلّق، وانقسام سياسي عميق.
• لحظة اختبار للنفوذ: هل ما زالت طهران قادرة على فرض صيغ الحكم في بغداد بلا كلفة؟
في مثل هذه اللحظات، لا تنتظر واشنطن اكتمال المشهد؛ بل تتدخل قبل تشكّله، لتقليص خيارات الخصم ورفع كلفة التحدي.
ثالثًا: الإطار التنسيقي… من التوافق إلى المغامرة
بدل قراءة الرسائل الدولية كتحذير، اختار الإطار الدخول في رهان عالي المخاطر:
إعادة تدوير أسماء وسياسات تُصنَّف في واشنطن بوصفها امتدادًا لمرحلة الاصطدام لا الاحتواء.
ترشيح نوري المالكي ليس مجرد خيار داخلي؛ بل رسالة مضادة تقول إن قرار بغداد ما زال يُصاغ بمنطق المحور لا منطق الكلفة. هذه المقاربة تُنتج ثلاث أزمات متزامنة:
• أزمة داخل الإطار: انقسام صامت بين من يفهم تغيّر المناخ الدولي ومن يراهن على فرض الأمر الواقع.
• أزمة قبول وطني: استقطاب يعيد فتح جروح ما بعد 2014 بدل تجاوزها.
• أزمة تسويق خارجي: حكومة تبدأ حياتها في مواجهة مباشرة مع واشنطن ستكون حكومة محاصَرة منذ يومها الأول.
رابعًا: الاستحقاق الكردي كمرآة للأزمة الشيعية
تعطّل اختيار رئيس الجمهورية ليس تفصيلًا دستوريًا، بل انعكاس مباشر لانقسام مركز القرار ، وكل مرشح يحتاج تقاطعات عربية/شيعية/سنية. التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني و الاتحاد الوطني الكردستاني لم يعد صراعًا كرديًا خالصًا، وأصبح ورقة ضغط متبادلة داخل بغداد في معركة رئاسة الحكومة.
كل طرف يبحث عن رئيس:
• أقل كلفة دوليًا
• وأكثر قابلية للتسويق سياسيًا
ما يعني أن أزمة الرئاسة ليست مستقلة، بل جزء من أزمة الحكم نفسها.
خامسًا: العراق في الحسابات الإقليمية… دولة أم منصة؟
في ذروة التصعيد الأميركي-الإسرائيلي مع طهران، يُعاد تصنيف الأدوار. الدول تُقاس بوظيفتها لا بخطابها. وهنا يواجه العراق سؤالًا قاسيًا:
• إذا لم يستطع ضبط أراضيه وقراره،
• وإذا لم يضمن أن لا يُستخدم كمنصة تهديد، فإنه سيُعامَل وفق منطق إدارة المخاطر لا بناء الشراكات. وهذا أخطر ما في المرحلة:
أن يتحوّل العراق من "ملف استقرار" إلى "ملف احتواء".
القسم الثاني : كيف غيّر فيتو ترامب قواعد اللعبة؟
أولًا: من التحذير إلى الفيتو
في السياسة الأميركية، يمكن تجاهل تصريحات مسؤولين، أو احتواء مواقف دبلوماسيين، أو المراهنة على تغيّر المزاج داخل الإدارة. لكن عندما يتكلم دونالد ترامب بهذه الصراحة، فذلك يعني أن مرحلة الغموض انتهت.
ترامب لا يرسل إشارات؛ بل يُعلن كلفة. وما أعلنه هنا ليس موقفًا نظريًا، بل معادلة واضحة :
عودة المالكي = وقف المساعدة.
هذا النوع من الخطاب يعيد ترتيب المشهد العراقي فورًا، لأنه:
• يحوّل التحذير إلى فيتو علني،
• ينقل النقاش من "هل تقبل واشنطن؟"
إلى "هل يتحمّل العراق الكلفة؟".
ثانيًا: انهيار هامش المناورة العراقية
قبل فيتو ترامب، كان لدى القوى العراقية هامش للمناورة:
• تلطيف الخطاب،
• اللعب على الوقت،
• تمرير تسويات رمادية تحت عنوان "التوافق".
اليوم، هذا الهامش تقلّص جذريًا. فالتصريح العلني:
• يمنع إعادة تدوير الخيارات نفسها بأسماء مختلفة،
• ويُحرج أي طرف يحاول تسويق عودة المالكي كخيار "داخلي صرف".
النتيجة:
لم يعد بالإمكان فصل الداخل عن الخارج. قرار بغداد أصبح مكشوف الكلفة دوليًا.
ثالثاً:ماذا يعني "وقف المساعدة" للعراقي العادي؟
ليس المقصود مساعدات رمزية أو شعارات سياسية، بل:
• تضييق مالي ومصرفي أشد
• صعوبة في الاستقرار الاقتصادي
• تراجع الثقة الدولية
• ضغط مباشر على معيشة الناس، لا على السياسيين فقط
بهذا المعنى، لم يعد القرار نخبويًا مغلقًا، بل قرارًا يدفع ثمنه المجتمع بأكمله.
رابعاً : المالكي من خيار سياسي إلى عبء سيادي
بغضّ النظر عن تقييم تجربة نوري المالكي، فإن لحظة فيتو ترامب نقلته من خانة "مرشح جدلي" إلى خانة العبء السيادي. لماذا؟
• لأن الاعتراض لم يعد ضمنيًا أو تحليليًا،
• بل صار ربطًا مباشرًا بين اسمه وبين:
• الفوضى،
• الفقر،
• وانقطاع الدعم الدولي.
هذا التحوّل يعني أن أي حكومة يرأسها المالكي ستبدأ:
• بلا غطاء خارجي،
• وبمواجهة مفتوحة مع واشنطن،
• وباقتصاد تحت مجهر الضغط.
خامساً : الإطار التنسيقي أمام سؤال الكلفة
داخل الإطار، لم يعد النقاش حول "من الأقدر"، بل حول من الأقل كلفة. فيتو ترامب فرض سؤالًا قاسيًا:
هل الإطار مستعد لتحمّل صدام مباشر مع واشنطن في لحظة إقليمية مشتعلة؟
هذا السؤال:
• يعمّق الانقسام الصامت،
• ويكشف الفارق بين من يريد السلطة ومن يريد الحكم،
• ويفرض إعادة تقييم لكل الخيارات التي كانت مطروحة قبل أيام فقط.
الفيتو العلني فرض داخل الإطار سؤالًا غير قابل للتأجيل: هل نريد رئيس وزراء قادرًا على التحدي أم رئيس وزراء قادرًا على الحكم؟ الفارق بين الخيارين هو الفارق بين سلطة قصيرة العمر ودولة قابلة للاستمرار.
سادساً : العراق في الحسابات الأميركية الجديدة
في خطاب ترامب، العراق لا يُعامل كحليف تلقائي، بل كدولة يجب أن تُثبت جدواها كشريك. المساعدة لم تعد حقًا مكتسبًا، بل امتيازًا مشروطًا. وهذا يعيد تعريف العلاقة بالكامل:
• لا تسامح مع حكومات تُدار بإملاء خارجي،
• لا دعم لدولة تتحوّل إلى منصة صراع.
بهذا المعنى، فيتو ترامب لا يستهدف شخصًا فقط، بل نموذج حكم.
سابعاً : ما وراء المالكي: الفيتو أوسع من شخص
الخطأ القاتل في قراءة فيتو ترامب هو اختزاله في اسم نوري المالكي. فالتصريح، بحدّته وصراحته، لم يكن اعتراضًا على شخص بقدر ما كان رفضًا صريحًا لنموذج حكم: حكومة تُصاغ بإملاء إيراني، وتُدار بسلاح موازٍ، وتُستخدم كمنصة في صراع إقليمي مفتوح. المالكي هنا ليس إلا أوضح الرموز، لأنه يجسّد مرحلة ارتبطت في الوعي الأميركي بالفوضى، والانقسام، وتوسّع نفوذ طهران داخل مؤسسات الدولة. لكن رفع اسمه من المعادلة لا يعني تلقائيًا رفع الفيتو. فواشنطن، ومعها تل أبيب، لا تختبر الأسماء… بل السلوك والوظيفة.
الأخطر أن الإطار التنسيقي يمتلك القدرة-نظريًا-على إنتاج خيارات:
• أكثر التصاقًا بطهران،
• أقل احتكاكًا بالإعلام الغربي،
• وأكثر مرونة في الخطاب،
لكنها في الجوهر لا تقلّ خطورة على فكرة الدولة.
من هذه الزاوية، يصبح فيتو ترامب رسالة مزدوجة:
• لا لحكومة المالكي،
• ولا لأي حكومة تُدار بالمنطق نفسه، حتى لو غُيّر الاسم وتبدّل الوجه.
هنا يتقاطع الملف العراقي مع التصعيد الأميركي-الإسرائيلي ضد إيران، ومع الخشية من تحوّل العراق إلى ساحة إسناد أو ممر رسائل بالنار،وساحة اشتباك مفتوحة بالوكالة ويُعيد تصنيف بغداد كمنطقة مخاطر.
بعبارة أدق:
المشكلة ليست "من يحكم"،
بل "كيف ولمصلحة من".
خلاصة هذا القسم :
ما حدث ليس تصعيدًا لفظيًا، بل كسرًا لقواعد اللعبة القديمة:
• سقط منطق "التعويم"،
• وتآكلت سياسة اللعب على الوقت،
• وارتفعت كلفة القرار إلى مستوى لم يعد العراق قادرًا على تجاهله.
ومن هنا، تصبح المرحلة المقبلة محكومة بثلاثة مسارات لا رابع لها - وهي ما سنفككه في السيناريوهات الثلاثة.
القسم الثالث: السيناريوهات الثلاثة بعد فيتو ترامب: دولة أم منصّة؟
السيناريو الأول: الاحتواء القاسي (دولة منقوصة السيادة)
حكومة تتشكّل… لكن تحت سقف أميركي صارم
كيف يحدث؟
• الإطار يتراجع خطوة تكتيكية: لا مالكي،
ولا اسم فجّ الولاء، بل وجه "أقل استفزازًا".
• خطاب رسمي عن السيادة وضبط السلاح، مع تطبيق انتقائي على الأرض.
• واشنطن، بميزان المصالح، تسمح باستمرار الحكومة دون مباركة.
محددات هذا السيناريو :
• لا حكومة تُنصَّب علنًا بإملاء إيران.
• التزامات أمنية واضحة: تحييد العراق عن أي اشتباك إقليمي مباشر.
• مراقبة مالية لصيقة ومسارات دولار مضبوطة.
النتيجة :
• دولة تعمل… لكن بهوامش ضيقة.
• نفوذ إيراني موجود لكنه مُكلف ومُراقَب.
• استقرار هشّ قابل للانهيار عند أول اختبار.
مؤشرات مبكرة :
• تهدئة فصائلية محسوبة.
• تسويات أربيل–بغداد سريعة.
• خطاب رسمي منخفض السقف تجاه واشنطن وتجاه الإقليم.
السيناريو الثاني: الاصطدام المُدار (المنصّة المُعلَنة)
حكومة تُسوَّق داخليًا… وتُصنَّف خارجيًا كمنصّة محور
كيف يحدث؟
• تجاوز الفيتو بالاسم لا بالجوهر: مرشح بديل، لكن بنفس المنطق والوظيفة.
• شرعنة السلاح الموازي تحت عناوين "السيادة" و"القرار الوطني".
• رسائل نار/ضغط عبر الفصائل لرفع كلفة الاعتراض الأميركي.
رد الفعل :
• واشنطن، بلسان دونالد ترامب ومن بعده مؤسساتها، تُفعّل سلّم الضغط:
• تضييق مالي انتقائي.
• عزل سياسي.
• ردود أمنية محدودة إذا فُتحت الجبهة من العراق.
• تقاطع أمني أميركي-إسرائيلي أعلى حساسية إذا ارتبطت الساحة العراقية بإسناد إقليمي ضد إسرائيل.
النتيجة :
• حكومة تبدأ محاصَرة.
• اقتصاد تحت ضغط.
• العراق يُعاد تصنيفه كـ"ساحة مخاطر" لا شريك.
مؤشرات مبكرة :
• تصعيد كلامي ضد واشنطن.
• تشدد مصرفي مفاجئ.
• حوادث أمنية "مدروسة" حول المصالح.
السيناريو الثالث: الفوضى المُؤسَّسة (لا دولة… ولا حسم)
تعطيل طويل يفتح الباب للمنصّة دون قرار مركزي
كيف يحدث؟
• انقسام الإطار: لا قدرة على تمرير خيار عالي الكلفة، ولا استعداد لتنازل حقيقي.
• عقدة رئاسة الجمهورية الكردية تتحول إلى أداة تعطيل.
• انتظار "تغيير خارجي" (ضربة لإيران/تفاهم إقليمي).
النتيجة :
• حكومة تصريف ممتدّة أو حكومة ضعيفة بلا سيطرة.
• تمدّد فعلي للفصائل لأن الدولة مشلولة.
• العراق يصبح أكثر قابلية للاستخدام كساحة رسائل بين إيران وخصومها.
مؤشرات مبكرة :
• تسويف دستوري.
• شلل تشريعي.
• حوادث أمنية بلا محاسبة.
الخلاصة الجامعة للسيناريوهات؟
1) الاحتواء القاسي = منصّة صراع تُستنزف وتُحاصر.
حكومة "أقل استفزازًا"، تهدئة محسوبة، وضبط انتقائي.
النتيجة: دولة تعمل، لكن بهوامش ضيقة واستقرار هش.
2) الاصطدام المُدار = منصّة صراع تُستنزف وتُحاصر.
تغيير أسماء مع الإبقاء على المنهج، وشرعنة السلاح الموازي.
النتيجة : حكومة محاصَرة، اقتصاد مضغوط، وعزلة متدرجة.
3) الفوضى المُؤسَّسة = لا دولة ولا حسم… فتربح المنصّة تلقائيًا.
تعطيل طويل، حكومة ضعيفة، تمدد فعلي للفصائل.
النتيجة: لا دولة ولا قرار… وتربح المنصّة تلقائيًا.
المعادلة الحاكمة :
إسقاط اسم لا يكفي.
تغيير النموذج هو الفاصل بين دولة تُدار ومِنصّة تُستَخدم.
الخاتمة التنفيذية: 90 يومًا حاسمة
فيتو دونالد ترامب لم يكن حدثًا عابرًا في مسار تشكيل حكومة، بل إشارة تحوّل في كيفية تعريف العراق داخل المعادلة الإقليمية. للمرة الأولى منذ سنوات، يُقال الأمر علنًا وبلا مواربة: المشكلة ليست في الوجوه، بل في الوظيفة. ليس من يحكم بغداد هو السؤال، بل لمصلحة أي صراع تُدار. المرحلة المقبلة لن تكافئ المناورة، ولن تمنح وقتًا للتدوير. المنطقة تتجه إلى صلابة أعلى في الاصطفاف، ومع تصاعد الضغط على طهران، يُعاد توزيع الأدوار قسرًا. في هذا السياق، يُطلب من العراق أن يختار:
- إمّا دولة تُدار بمنطق السيادة وتقليل المخاطر،
- وإمّا منصّة تُستخدم لإسناد محور في مواجهة مفتوحة-ومثل هذا الاختيار لا يأتي بلا ثمن.
رفع اسم المالكي من التداول-إن حدث- لن يكون كافيًا. الفيتو الحقيقي يستهدف نموذج الحكم الذي يشرعن السلاح الموازي، ويُبقي القرار السيادي رهينة، ويحوّل الجغرافيا إلى ممرّ رسائل بالنار. أي حكومة تُولد بهذه الصفات، مهما كان اسم رئيسها، ستُقرأ خارجيًا بوصفها استمرارًا للمشكلة، وستُعامل على هذا الأساس: ضغط، تضييق، وعزل متدرّج.
إقليميًا، يُعاد رسم وظيفة العراق على ثلاثة محاور متزامنة:
1.الردع: منع تحوّله إلى ساحة إسناد أو انطلاق في صراع أوسع.
2.الاحتواء: إبقاؤه داخل هامش استقرار مشروط يمنع الانفجار دون مكافأة الانحياز.
3.الاختبار: قياس قدرة النخبة الحاكمة على تقديم دولة قابلة للشراكة ، لا منصّة للمواجهة.
الأسابيع الاثنا عشر المقبلة لن تكون مرحلة انتظار، بل مرحلة فرز. ما سيتشكل في العراق خلال هذه الفترة لن يحدد فقط اسم رئيس الحكومة، بل وظيفة الدولة نفسها في بيئة إقليمية متحوّلة. في هذا الإطار، يمكن تلخيص المشهد بثلاث خلاصات عملية، وثلاث مجموعات مؤشرات، وثلاث نقاط مراقبة دقيقة.
أولًا: ماذا سيحدث على الأرجح؟
1. تصاعد ضغط واشنطن قبل اكتمال التشكيل
الولايات المتحدة لن تنتظر ولادة حكومة "عالية الكلفة" لتتحرك. الضغط سيُمارَس استباقيًا: رسائل سياسية، إشارات مالية، وتذكير بخطوط حمراء، بهدف تعديل السلوك قبل تثبيته.
2. تآكل خيار المواجهة داخل الإطار
مع ارتفاع الكلفة، سيزداد التردد الداخلي. بعض القوى ستعيد حساباتها بهدوء، ليس بدافع التنازل، بل بدافع البقاء السياسي.
3. محاولات تسوية تحت سقف الشروط
ستظهر صيغ وسطية: أسماء "أقل استفزازًا"، تفاهمات مؤقتة، وتهدئة في الخطاب، في محاولة لإخراج الحكومة من خانة الصدام المباشر.
ثانيًا: المؤشرات الحاسمة التي ستحدد الاتجاه
راقب هذه الإشارات الثلاث بدقة:
1. لغة واشنطن
• انتقال من التحذير العام إلى التسمية المباشرة؟
• تشدد في مفردات "المنصة"، "الإملاء"، "حكومة المحور"؟
2. السلوك المالي- المصرفي
• تشدد إضافي في مسارات الدولار؟
• تأخير أو تدقيق مفاجئ في التحويلات؟
هذه ليست تقنية… بل سياسية بامتياز.
3. الميدان الأمني
• هدوء فصائلي منضبط؟ أم رسائل بالنار؟
• أي حادث أمني صغير قد يغيّر وزن السيناريو بالكامل.
ثالثًا: ما الذي يجب مراقبته بدقة فائقة؟
1. التعيينات الأمنية المبكرة
أي حكومة تبدأ بتعيينات استفزازية ترسل إشارة صدام لا لبس فيها.
2. الاستحقاق الكردي
حلّ عقدة رئاسة الجمهورية مؤشر على وجود تسوية شاملة؛ تعثرها علامة على فوضى مُؤسَّسة.
3. خطاب "السيادة"
هل يُستخدم لتثبيت الدولة أم لتبرير السلاح الموازي؟
الفرق بين العنوانين سيحدد موقف الخارج بسرعة.
الخلاصة القاطعة :
العراق يقف عند مفترق لا يحتمل التدوير:
• إمّا حكومة تُدار بمنطق الكلفة والسيادة،
• أو حكومة تُفرض بمنطق المحور وتُحاصر بمنطق المصالح.
في الأشهر الثلاثة المقبلة في زمن الفيتو العلني، لا تعود الرمادية فضيلة، لن يُكافأ من يرفع السقف، بل من يُدير المخاطر. ومن يظن أن تغيير الاسم يكفي، سيفاجأ بأن العالم يحاسب الوظيفة - ومن يستخفّ بهذه الحقيقة، لن يدفع الثمن وحده… بل ستدفعه الدولة بأكملها وأن كلفة الخطأ هذه المرة قد تُعادِل كلفة إعادة تعريف العراق نفسه.

إرسال تعليق