د. ضرغام الدباغ
لنضرب صفحاً عن التجارب الكردية في البلدان الأخرى، ولنبق في سوريا ....
قصة الكرد في سورية التي مثلت لهم منذ حقب عديدة، وأكثر تحديداً منذ عام 1925 واحة أمن وأمان، ومرتعاً هانئاً للتعيش الرغيد. التجأوا إليها عبر العصور هرباً من الصراعات والنزاعات المسلحة في إيران وتركيا والعراق في اعقاب ثورات لم يكتب لها النجاح، وهذه موضوعة مهمة ولكن سنفرد لها مقالاً خاصاً، وقبلت سوريا والعراق لجوءهم، وأمنت معيشتهم. ولكن من جاء طلباً للأمن، راح يتمدد بعد أن شبع من جوع وآمن من خوف، أدخلوا أولادهم للمدارس وهذا بديهي، وحدثت حالات زواج واختلاط، وهذا بديهي أيضاً، وصار لبعضهم مصالح اقتصادية مهمة، وهذا طبيعي، والبعض من الاكراد أندمج في المجتمع العربي السوري، وعمل في الحقل الوطني، وصارت منهم شخصيات وقيادات وطنية بارزة، قوبلوا بمنتهى المحبة والاحترام، وبعضهم نزح إلى لبنان ومصر، فحققوا نجاحاُ فيها. ولم يحققوا قبولا واندماجاً كالذي حصلوا عليه في البلاد العربية. فقد أعتبروا أخوة في الدين، وللحق أن كثيرين منهم صاروا كأهلنا. ونزحت أعداد كبيرة من الكرد إلى اقطار عربية أخرى، منها خاصة لبنان، ومصر، وإلى أوربا ولا سيما : النمسا وألمانيا، وهولندا، والسويد، بأعداد كبيرة لأغراض التعايش في كردستان أوربا، حيث يشكل كل عشرة أنفار كردستانهم حيثما رحلوا وحلوا في حنين جارف لوطنهم الاصلي البعيد. ولكن هناك قوانين صارمة، تطلب منهم الاندماج وفي المقدمة اللغة والثقافة، لذلك سوف لن يتفوهوا ببنت شفة، ولن يقولوا أنهم في كردستان ألمانيا ...!
إلى هنا والأمر طيب لا تشوبه شائبة (تقريباً). والكرد لا يتشابهون مع بعضهم لا بالسحنة، ولا بالطباع والمزاج، فمثلاً يتميز كرد العراق بطباع الكرم والشجاعة، وقبول الضيف أشبه بمواطنيهم العرب العراقيون، وكذلك يفعل الكرد الإيرانيون في التشابه مع كرد إيران، والحال نفسه مع أكراد تركيا. أما أكراد سوريا لهم شأن خاص، لمسته بنفسي، وتيقنت منه حين أطلعت على كتب أوردت معطيات علمية بهذا الصدد .. وبصدد التواجد الكردي في سوريا، فهم منذ القديم ينزحون من تركيا إلى سوريا من أوساط كادحة وفقيرة من جهة القدرة المالية والاقتصادية، وكذلك الحال من إيران أضف إليها التهاب القضايا الكردية في إيران منذ حركة مهاباد فصاعداً، أما في العراق فالهاجس كان اقتصاديا واجتماعياً وتمتع كرد العراق ببحبوحة واضحة. ولكن القضية الكردية مثلت عنصر تدخل وفتيل جاهز للاشتعال في أي لحظة تشاء القوى الاستعمارية استغلالها في العراق وتركيا، أما في سوريا فالامر كان بعيد عن التصور، فالاكراد في سوريا نازحون إليها من تركيا بدرجة رئيسية، ومن العراق بنسبة أقل وربما من أماكن أخرى، وحتى السبعينات لم يكن وجودهم ظاهراً إلا في قرى المثلث العراق السوري التركي، وكان الحصول على الإقامة، مجرد إقامة طموحاً صعباً. ناهيك عن الجنسية. لذلك ليومنا هذا لا توجد بلدة أو ناحية، أو قضاء يضم غالبية من السكان، بما في ذلك القامشلي، التي كانت بلدة عربية/ مسيحية / يهودية، والوجود الكردي فيها كان محدوداً من المهاجرين من أكراد تركيا.
فظاهرة استغلال الكرد في الشؤون الداخلية مثل ظاهرة مشتركة، في العراق وتركيا وسورية (لاحقاً) فالوجود الكردي في سوريا مشتت من أقصى الشمال إلى العاصمة دمشق، في تجمعات بسيطة لا تشكل ثقلاً اجتماعياً، وبعض الكرد أندمجوا في الحياة العامة واصبحوا قادة سياسيين وأدباء. كان وجودهم في شرقي الفرات كقطرة وسط بحر من العرب والمسيحيين السريان، سكان المناطق الأصلية منذ أكثر من 2500 عاماً. وحتى في مدينة (عين العرب) وقد أطلقوا عليها (كوباني)، باسم الشركة الألمانية التي أنجزت في هذه البلدة منذ وقت تشييد طريق سكة حديد بغداد، التي استقطبت أعداد من المهاجرين الأرمن وأكراد تركيا، فهي البلدة الوحيدة التي تضم أعداد وفيرة من الكرد، دخلت القضية الكردية في سوريا، نفقاً مرهقاً لا يتعامل به الغالبية العظمى من أكراد سوريا القدماء (منذ العهد العثماني) واستغلوا ظروف الحرب الوطنية، ومن مرهقات هذا النفق الصعب الذي أدخل قضية أكراد سورية في صلب قضية أكراد تركيا، بارتباطهم أو بالأحرى تبعيتهم لحزب (PKK) وله ملف طويل عريض، في النشأة ومكوناته الفكرية والاجتماعية، الذي بدوره له ارتباطاته الكثيرة في المنطقة وخارجها، مما سيرتب عليه بالمقابل استحقاقات، سينوء بحملها ، ورغم أنهم يعتبرون أنفسهم حزبا ماركسياً لينينياً، إلا أن ارتباطاتهم العضوية الوثيقة بأكثر من دولة من حلف الناتو، تلقي ظلال من الشبهات، كما يثير ارتباطهم بنظام ملالي طهران غباراً له لونه المريب، فدولة الملالي لا تتحالف بقوة لهذه الدرجة دون أن يكون لذلك مغزى عميق (وجدت أسلحة متقدمة إيرانية (طائرات مسيرة، وصواريخ محمولة على الكتف) في مخازن أسلحة قسد وكذلك التحالف الوثيق لدرجة القتال من حزب الله اللبناني، ومع إسرائيل بزيارات ودعم علني، وعلاقات وثيقة مع الفئة الدرزية العميلة . وجبهة قسد أظهرت محتواها المادي، التجمع المدهش " أكراد تركيا (PKK) واسايش السليمانية، والهجريين، وفلول نظام الأسد، وميليشيات العراق، وحزب الله بيروت" في جبهة قوية تثير الدهشة، ومن خلال هذه المعطيات نتوصل إلى قناعة أن الوضع السوري قبل انهيار نظام بشار، كان حلقة رئيسية في خط متكامل يمتد من طهران مرورا ببغداد ودمشق وبيروت، وله مرتكز مهم في شبه الجزيرة (اليمن/ الحوثي)، فهذه العلاقات المتشابكة والمعقدة، لا تعقد بالصدفة، بل تجمعها المصالح المشتركة، ورغم تناقضاتهم (وهي تناقضات ثانوية، ليست مبدأية) ولكنهم يتحدون حيال الأمة العربية، والاسلامية، وهناك خط ساخن مثير للشبهات يجمع بينهم ويضعهم في كفة واحدة. وحين تقف علامة الاستفهام (؟) التي تقض المضاجع وكلمة (لماذا) ومفتاح الشفرة (من المستفيد ؟) .اليوم قادت الضرورة لأن نبحر في الدفاتر القديمة، ونلقي الضوء على الزوايا المظلمة، وأن نقشر وقار الوقائع المزيفة، سيظهر بوضوح أننا حيال شبكة عنكبوتية لا تجد في ما تفعله من المحرمات الوطنية والدينية .... كل شيء حلال تحت شعار تخريب بلا حدود، وعلاقات لا تنطوي على محرمات لا شيء يردعهم، ويريدون منك أن تقبلهم كمواطنيين أو كأصدقاء أو حتى كجيران ...وهم بهذه الدرجة الفضيعة من النوايا السوداء المبيته .. روى لي أحد القادة الكرد العراقيين، أن القائد الكردي الإيراني عبد الرحمن قاسملو كان قد قابل الخميني في طهران عقب وصول سلطة الملالي للحكم في إيران(1979)، وتوجه خلال المقابلة برجاء ملّح قائلاً " يا جناب آية الله العظمى، قل لي ولو على سبيل المجاملة، أننا سنفكر بكم ذات يوم كأكراد "، فما كان من الخميني أن فرقع بوجهه قنبلة " حتى هذه الجرعة المهدءة لن أقولها لك ". والخميني الذي كان قاسياً دموياً من مواطنين إيرانيين ومن الشيعة الإثني عشرية من اللور والآذريين، سيكون أشد قسوة على الكرد الإيرانيين رغم أن عروقهم تمتد لولاية خراسان، وهم من أهل السنة، وهذا سر عدم وجود أي أثر كردي (معماري، أو ثقافي) يتجاوز الثمانون عاماً في سورية فتأمل ..........!

إرسال تعليق