معادلة السقوط : الانتفاضة الإيرانية وتأسيس طور جديد في الصراع مع نظام الملالي

مشاهدات



عبدالرزاق الزرزور 

محامي وناشط حقوقي سوري



الانتفاضة تتجاوز الاحتجاج نحو الاستهداف البنيوي

لم تعد التحركات الشعبية في إيران مجرد انفجار عفوي لغضب الجماهير، بل تبلورت كحركة منظمة تستهدف البنية الصلبة للنظام وأركان قوته . إن تصاعد عمليات استهداف المراكز الاقتصادية والمقرات العسكرية التابعة لـ "قوات الحرس" يكشف عن انتقال الشارع من رد الفعل إلى الهجوم السياسي  والاقتصادي المباشر. هذا التحول النوعي يعني أن النظام لم يعد يواجه مطالب معيشية، بل صراعاً وجودياً على السلطة والشرعية.


سلاح الإضرابات: كسر العمود الفقري للاقتصاد الأمني

تمثل الإضرابات الواسعة للتجار في العاصمة والمدن الكبرى تطوراً استراتيجياً بالغ الدلالة؛ فالتجارة الداخلية هي أحد الشرايين الحيوية لتمويل شبكات القمع التابعة للحرس والباسيج. حين يختار قطاع السوق والعصب الاقتصادي العصيان، فهم لا يعلنون التمرد فحسب، بل ينزعون الغطاء الاجتماعي عن السلطة. تاريخياً، تصمد الأنظمة القمعية طالما بقي الاقتصاد تحت سيطرتها، ومع توقف نبضه، يبدأ العد التنازلي للانهيار.


وحدات المقاومة: المحرك التنظيمي والفعل الحاسم

بات الدور المتنامي لـ "وحدات المقاومة" المرتبطة بـ "منظمة مجاهدي خلق الإيرانية" عنصراً حاسماً في توجيه مسار الانتفاضة. العمليات الميدانية المنسقة والدقة في اختيار الأهداف المرتبطة بأجهزة القمع تشير إلى وجود تنظيم واعٍ يعمل ضمن رؤية سياسية واضحة. هذه الوحدات لا تملأ الفراغ الميداني فحسب، بل تملأ الفراغ القيادي، وتمنح الشارع الإيراني ثقة بوجود بديل ديمقراطي ومنظم يقود البلاد بعيداً عن الفوضى.


تآكل العقيدة الأمنية وانكسار حاجز الترويع

إن السيطرة على مراكز القمع وإحراق مقرات الحرس يحمل أثراً نفسياً يتجاوز الخسائر المادية؛ فالنظام استند لعقود على &quot ;أسطورة القوة المطلقة". وحين يرى المواطن تهاوي هذه الحصون وتراجع قوات القمع أمام إرادة الشارع، تتآكل &quot ;هيبة الردع". وبانهيار هذه الهيبة، يفقد النظام أمضى أسلحته وهو "الترويع"، مما يفتح الباب أمام انضمام فئات أوسع للحراك الثوري.


الشرعية الدولية: من ملف حقوق الإنسان إلى ملف التغيير السياسي

بالتوازي مع الحراك الداخلي، تشهد الساحة الدولية تحولاً جذرياً؛ إذ لم تعد التجمعات الحاشدة للإيرانيين في العواصم الكبرى (من أوروبا إلى أمريكا) مجرد تضامن رمزي، بل أصبحت قوة ضغط سياسي تطالب بإسقاط الديكتاتورية. هذا الحضور المكثف ينقل الصراع من إطاره كملف "انتهاكات حقوق إنسان" إلى ملف "شرعية سياسية"، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية الاعتراف بإرادة الشعب الإيراني.


كسر المحظورات السياسية والاعتراف بـ "حق الثورة"

تمثل الدعوات الدولية المتصاعدة للاعتراف بحق الشعب الإيراني في الدفاع عن نفسه والثورة ضد الاستبداد تطوراً نوعياً في الخطاب العالمي. إن فكرة إسقاط النظام لم تعد تقتصر على المعارضة، بل بدأت تتسرب إلى دوائر القرار والرأي المؤثر في الغرب. هذا التحول يهدد ركيزة أساسية لبقاء النظام، وهي المراهنة على سياسة الاسترضاء أو تردد المجتمع الدولي.


مأزق الخيارات الصفرية أمام النظام

يواجه نظام الملالي اليوم معادلة مغلقة لا مخرج منها:

- التصعيد الأمني: يزيد من حدة الاحتقان ويوسع رقعة العصيان الشعبي.

- التراجع أو الإصلاح الشكلي: يُفسَّر على أنه ضعف، مما يرفع سقف مطالب الشارع.

- المناورات الخارجية: فقدت فاعليتها مع انكشاف هشاشة الجبهة الداخلية.

هنا تكمن خطورة اللحظة التاريخية؛ فالسلطة لم تعد تملك أي خيار رابح يضمن بقاءها.


المسار التراكمي: ثورة لا تعرف الارتداد

تشير المعطيات الميدانية والسياسية إلى أن الثورة الإيرانية تمضي في مسار تراكمي مستمر. قد لا يكون السقوط لحظة خاطفة، لكنه أصبح عملية تاريخية مستمرة تزداد معها الفجوة بين السلطة والمجتمع يوماً بعد يوم . الأهم من ذلك، هو التحول في الوعي الجمعي ؛ حيث لم يعد المواطن الإيراني يتساءل: "هل يسقط النظام؟"، بل أصبح السؤال: "متى وكيف سيتم حسم المعركة؟".


الخلاصة: نهاية حقبة وبزوغ فجر جديد

ما تشهده إيران اليوم ليس مجرد موجة احتجاج عابرة، بل هو إعلان نهاية مرحلة تاريخية لنظام استنفد كافة أدوات البقاء. إن صمود المواطنين، وجرأة الوحدات الميدانية، والتحول في الموقف الدولي، كلها عناصر تؤكد انكسار "سردية الخوف &quot ; . وفي منطق التاريخ، حين تنهار السردية التي يحكم بها الطاغية، يصبح سقوطه مجرد مسألة وقت.


تعليقات

أحدث أقدم