صباح الزهيري
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ : بَيْنَمَا كُنْتُ بِبَغْدَادَ ذَاتَ لَيْلَةٍ , وَقَدْ أَرَّقَنِي السُّهَادُ وَاعْتَرَانِي مَا يَعْتَرِي الْغَرِيبَ مِنَ الْوَجْدِ وَالتَّوْقِ , إِذْ بَلَغَتْ مَسَامِعِي أصْوَاتُ قَوْمٍ يَتَنَاجَوْنَ فِي مَجْلِسٍ مُجَاوِرٍ, وَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ الْهَيْمَانُ وَرِقَّةُ الْحَالِ , فَقُلْتُ: مَا لَهُمْ؟ وَمَا هَذِهِ الْجَذْوَةُ الَّتِي اعْتَلَتْ وُجُوهَهُمْ ؟ فَقَالَ لِي بَعْضُ النُّدْمَانِ: يَا أَخِي , هَؤُلاءِ قَوْمٌ شَاهَدُوا حَالَ أَهْلِ الْعِشْقِ حِينَ يَأْسِرُهُمْ صَوْتُ يُوسُف عُمَر فِي غِنَاءِ غَزَالِ الْكَرْخِ , فَيَأْخُذُهُمُ الْهَيْمَانُ حَتَّى الأَقَاصِي , فَيَتَنَاثَرُونَ حَوْلَهُ بِتَرَقُّبٍ , أُسَرَاءَ حُصُونِهِ , بَيْنَ حُضْنِ الاِحْتِرَاقِ وَحَرْقِ الأَحْدَاقِ , يَجْعَلُهُمْ يَقْرَأُونَهُ فِي الطَّوَالِعِ الْمَسْحُورَةِ بِعَيْنَيْهِ , وَإِنَّمَا الْحَالُ فِيهِمْ حَالُ مَنْ يَقُولُ: وَحْدَكَ أَنْتَ الْمُسْتَقِرُّ فِي مُحِيطِ تَنَاقُضَاتِي , تَرْسُمُنِي عِشْقاً بَدَائِيًّا , فَأَسْتَرِيحُ بَيْنَ رَاحَتَيْكَ , طِفْلَةً مِنْ مَوَالِيدِ بُرْجِ الْعِشْقِ.
مَقَامَةُ غَزَالِ الإِمَامِ , قَالَ الرَّاوِي : ثُمَّ انْجَلَتِ الْحَالُ , وَفُتِحَ بَابُ السَّرْدِ , فَإِذَا النَّاسُ يَتَدَاوَلُونَ سِيرَةَ الْقَصِيدَةِ الْخَالِدَةِ لِلْفَقِيهِ الشَّاعِرِ مُحَمَّد سَعِيد الْحَبُّوبِيّ , رَحِمَهُ اللهُ , حَيْثُ كَانَتْ نَشْأَتُهَا فِي عَهْدِ الدَّوْلَةِ الْعُثْمَانِيَّةِ , قَالُوا : لَقَدْ دَأَبَ هَذَا الإِمَامُ الْجَلِيلُ , الْمُعَمَّمُ عَلَى عَادَةِ مَشَايِخِ الْعَصْرِ, عَلَى الْجُلُوسِ فِي كَازِينُو شَارِعِ أَبِي نُؤَاس , وَأَمَامَهُ كَأْسُ الشَّرَابِ , لَا لِأَجْلِ السُّكْرِ , بَلْ لِانْتِظَارِ حَسْنَاءَ سَافِرَةٍ تَأْتِي مَشْياً مِنْ جَانِبِ الْكَرْخِ إِلَى مَقَرِّ عَمَلِهَا فِي إِحْدَى الشَّرِكَاتِ الأَجْنَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ الشَّارِعِ , وَكَأَنَّهُ فِي سُكْرِهِ وَصَحْوِهِ يَرْنُو إِلَى الرَّجَاءِ فِي وَصَالٍ مَأْمُولٍ , فَيُنْشِدُ وَجْدَهُ بِقَوْلِهِ : (( يَا غَزَالَ الْكَرْخِ وَا وَجْدِي عَلَيْكَ كَادَ سِرِّي فِيكَ أَنْ يُنْتَهَكَا, هَذِهِ الصَّهْبَاءُ وَالْكَأْسُ لَدَيْكَ , وَغَرَامِي فِي هَوَاكَ احْتَنَكَا, فَاسْقِنِي كَأْساً وَخُذْ كَأْساً إِلَيْكَ , فَلَذِيذُ الْعَيْشِ أَنْ نَشْتَرِكَا )) , وَيَظَلُّ الْحُبُّوبِيُّ مُثْبِتاً أَنَّ الْوَلَهَ الْبَشَرِيَّ وَالرَّجَاءَ الْحَيَاتِيَّ لَا يَتَنَافَيَانِ مَعَ سَمْتِ الْعَالِمِ وَفِقْهِ الْجَعْفَرِيِّ.
وعن الْبِشَارَةُ مَرْجُوُّ الْغَايَاتِ قَالَ الرَّاوِي : وَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي لَذَّةِ السَّمَاعِ وَتَفَكُّرِ الْوِصَالِ , إِذْ دَارَ الْحَدِيثُ بَيْنَهُمْ عَنِ الرَّجَاءِ الأَعْلَى , وَالأَمَلِ الْمُطْلَقِ فِي جَنَّةِ الْوَعْدِ , فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ وَصَايَا حَسَنِ الصَّبَّاحِ إِلَى أَبْنَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ , وَالَّتِي وَجَدَهَا النَّاسُ فِي مَغَارَةِ قَلْعَةِ آَلَمُوتَ , وَفِيهَا رَجَاءُ الْوَعْدِ وَتَحْقِيقُ الْبِشَارَةِ , حَيْثُ جَاءَ فِي الرِّقَاعِ : الْوَصِيَّةُ الْأُولَى: سَيْفُ الْإِمَامِ , سَيْفُهُ مِفْتَاحُ وَاحَاتِ الْعَذَارَى وَسَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ الْعَاكِفِينَ نَحْوَ حَوْضِ السَّلْسَبِيلِ , نَصْلُهُ جِسْرٌ لِأَحْلَامِ الْحَيَارَى وَمَرَايَا لِقُلُوبِ الطَّامِحِينَ , يَغْسِلُ الْعُمْرَ بِمَاءِ الزَّنْجَبِيلِ , سَيْفُهُ مَهْوَى تَرَاتِيلِ الْمَسَاءِ وَحَرِيقٌ يَسْحَقُ الْأَبْرَاجَ أَبْرَاجَ الْحَمَامِ نَصْلُهُ نَهْرٌ بِلَا مِينَاءَ يَحْصِدُ الْأَقْمَارَ وَالْأَمْوَاجَ وَأَبَارِيقَ الْغَمَامِ , والْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ : سَمْتُ الْحَشِيشِ , غُصْ فِي مَدَاهُ وَانْتَصِرْ فِي لَحْمِ هَذَا الْعَالَمِ , ازْرَعْ صَهِيلَكَ الْعَتِيدَ وَاعْتَصِرْ مِنْ خَصْرِهَا الْبَرِّيِّ لَوْثَةَ الْجُلَّنَارِ , وَاطْوِ الشُّعَاعَ فِي الشِّرَاعِ الْحَالِمِ , أَكْفَانُكَ الْبَيْضَاءُ عُرْسٌ , وَخَيْمَةٌ مِنْ نُورِ مَوْلَاكَ الْإِمَامِ , فَاجْمَعْ نَحِيبَكَ الشَّرِيدَ , وَاخْتَصِرْ آجَالَ أَلْوَاحِ الدِّمَاءِ , دُنْيَاكَ يَا بُنَيَّ سِرْبٌ زَائِغٌ مِنَ الْمَحَارِ , نَوْلٌ يُطَرِّزُ الظِّلَالَ لِلظَّلَامِ الْجَاثِمِ فَلَا تُبَالِ وَاقْتَصِرْ. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ عن رَجَاءُ الْعَاقِبَةِ : لَقَدْ تَمَّتِ الْمَقَامَةُ وَهِيَ بَيْنَ رَجَاءَيْنِ : رَجَاءُ الْحُبُّوبِيِّ فِي وَصَالِ الْدُّنْيَا , وَرَجَاءُ الصَّبَّاحِ فِي وَعْدِ الْآخِرَةِ , فَأَيْنَ مَن يَجْمَعُهُمَا ؟ وَأَيْنَ مَن يَجْعَلُ الْعِشْقَ الْبَشَرِيَّ جِسْراً لِلْيَقِينِ السَّمَاوِيِّ ؟ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ وَذَلِكَ هُوَ الرَّجَاءُ الْمَنَالُ , وَلَمَّا فَرَغُوا مِن تَدَاوُلِ الْحَدِيثِ , تَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَقَدْ عَلَتْهُمْ السَّكِينَةُ وَالرَّجَاءُ , وَقُمْتُ أَنَا لأَسْجُلَ هَذِهِ الْمَقَامَةَ لِتَكُونَ عِظَةً لِمَن يَبْغِي الْجَمَالَ فِي الْوُجُودِ وَالْأَمَلَ فِي الْعَاقِبَةِ.

إرسال تعليق