المقامة الدبشية في أحوال الرعية المنهوبة

مشاهدات



صباح الزهيري 


حَدَّثَ مسكين بن مأكول قال : لما انفتحت الأبواب , ودخلت الغربان الغاب , ورأينا العجب العجاب في أرض الرافدين بعد عام المصيبة والخراب , التفتُّ يميناً وشمالاً , فإذا بكل زاويةٍ  دبش  ينهب مالاً , وإذا بالشعب مدبوشٌ حالاً وبالاً , واعلموا يا سادة , أن حال ساستنا اليوم كحال ذلك الحلاق في قديم الزمان , حين أتاه قصابٌ  شجَّت عينه شظية عظم سكفة , فبدلاً من أن يخرجها الحلاق ويريح المسكين , أبقاها في عينه لغرضٍ في النفس دفين , كان يداويها بالدهن والتعقيم يوماً بعد يوم , والقصاب يأتيه كل مساء باللحم والمعلاك جزاءً على العلاج الموهوم , استمر الاستنزاف أياماً , حتى غاب الحلاق وترك ابنه في الدكان , فجاء القصاب يشكو الألم , فنظر الولد ببراءة الجهل وسحب العظمة بلمسة يد , فلما عاد الأب وعلم بفعل ابنه , لطم وجهه وقال بمرارة : عفي عليك يا ابني , من دبش  بعد نأكل لحم ومعلاك , وهكذا هم ساسة الغفلة في بلادي , أبقوا جرح الوطن مفتوحاً , والكهرباء مقطوعة , والخدمات ممنوعة , لكي يستمر تدفق اللحم والمعلاك إلى موائدهم , فإذا طاب الوطن , ماتوا هم من الجوع . ثم سألتُ عن أصل دبش هذا الذي ضاعت عنده الحقوق , فقيل لي :  هو عزرا ساسون دبش  , كان مديراً لمالية ميناء البصرة , يمسك الدفاتر والرواتب بيدٍ حديدية , فلما حزم أمتعته ورحل إلى حيفا عام 1951 , ترك العمال يصرخون خلفه : أين أجورنا ؟ فكان الجواب الساخر : اقبض من دبش , والآن , يا ويح العراق , فقد صار لنا في كل وزارة دبش , وفي كل دائرة ساسون , المواطن يطالب بحقه في النفط , فيقولون له : اقبض من دبش , يطالب بتعويضات العقارات المنهوبة , فيأتيه الصدى : اقبض من دبش , حتى صار الموظف والمتقاعد يقرأ قصيدة الملا عبود الكرخي بدمع العين :  ساعة وأكسر المجرشة وألعن أبو كل من جرش , بالشلب أجرش للفجر , وأقبض فلوسي من دبش .


لقد تعددت المسميات والضياع واحد , ففي البصرة دبش  وفي كردستان يقولون للخيبة اكتب عالثلج , وهناك رواية سمعتها من رجل عاصر تعدد الاعراق والأجناس والأديان في عدن أيام الاربعينات , حيث يقولون :  حاسب ريح  , وهي مأخوذة من طقوس الهندوس الذين كانوا في عدن , فعندما يموت شخص منهم , يحرقون جثته في أعلى جبل كريتر , ويأخذون رماد جسده , وينثروها من أعلى ذاك الجبل ثم يقولون : حاسب ريح , يعني لن يُحاسب في ألآخرة , لأن الريح نثرت رماده فلم يبق منه شيء , أما مواطننا المدبوش  فقد تاهت حقوقه بين حكوماتٍ متعاقبة , وقراراتٍ متضاربة , كلما جاءت أمةٌ لعنت أختها , وكلما وعدت حكومةٌ بشروق الشمس , أظلمت الدنيا بفسادٍ جديد. قال مسكين بن مأكول : واعلموا أن دبش لم يكن مجرد مدير ماليةٍ رحل , بل صار منهجاً  لمن أراد أن يأكل وينكر الفضل , ففي حكايات  قصبة الحي في واسط , كان الفقير إذا استدان من أخيه بلا سند  أو حجة , جحده المدين وقال له بملء فيه :  إنجان ما عندك سَنَد , اقبض فلوسك من دَبَش , واليوم ، يا حسرةً على شعبٍ ضاعت سنود  وطنه في دهاليز المحاصصة , فلا الورق يثبت حقاً , ولا الدستور يحمي مستحقاً , المواطن يحمل سند  مواطنته , والسياسي يحمل  سند  عمالته , فإذا سأل الفقير عن حقه في ميزانية الانفجار , قالوا له : أين السند؟ وإذا أبرزه , قالوا : هذا ورقٌ بله واشرب ماءه , واذهب فاقبض من دبش الخضراء .


ثم انظروا إلى حال  دبش التاجر الذي احتال على شريكه الطيب , فأخذ المال ليأتيه بالحرير من الصين  ثم توارى خلف الغيوم والديون , وهكذا حال مقاولاتنا وإعمارنا اليوم , وعودٌ كحرير الصين , ومشاريع لا نراها إلا في شاشات التلفاز , وبين سطور التصريحات,  يجمعون ميزانيات البلاد , ويعدوننا بجنةٍ عرضها الأرصفة , فإذا ولّى العام , طارت الأموال إلى البنوك القاصية , وبقيت بضاعتنا حصىً وتراباً , ومن يسأل عن حسابه يقال له :  انتظر عودة دبش من سفره الطويل , ودبشُنا اليوم لا يعود , بل يغير جلده وجوازه , ويتركنا نلوك الصبر على أرصفة الخيبة. وإتماماً لهذه المقامة الدبشية التي تحاكي واقع العراق الجريح  , وتكشف ألاعيب دبشات العصر الحديث الذين برعوا في فنون التسويف والنهب , نقول : يا أيها الناس , إن دبش  لم يمت في حيفا عام 1962 كما تقول الحكايات , بل تناسل وتكاثر في بلادنا حتى صار طبقةً سياسية , فهو المسؤول الذي يبتلع ميزانية الكهرباء ويتركنا للحر , وهو المتعهد الذي يسرق السلة التموينية من أفواه الفقراء , وهو صاحب الضمير المنفصل الذي لا تهزه دمعة يتيم أو أنّة مظلوم , فيا أيها المواطن الصابر, إن سألت عن موعد الاستقرار , أو عن أموال الإعمار , أو عن كرامة الديار في ظل هؤلاء السراق , فلا تتعب حنجرتك بالصراخ , بل التفت إلى أخيك وقل له بمرارة العراقي الأصيل : يا صاحبي , اقبض من دبش . العراق ولّاد بالقصص التي تُحوّل الألم إلى أدب ساخر وسلاح فكري بوجه الفساد , لتكون صوتاً معبراً عن لسان حال الغيورين , ومرآة تعكس واقع  دبشات هذا الزمان عسى أن يأتي يومٌ  يسترد فيه المواطن حقوقه كاملة غير منقوصة , فيا أيها العراقيُّ المُدبوش , لا تجعلنَّ يأسك يسلمك لسكينة الذل , فالحلاقُ سيكتشف يوماً أن لحمه ومعلاكه هو دمُ الشعب , وأنَّ العظمةَ التي سحبها الولدُ الصغير الجيل الجديد هي بدايةُ الإبصار , وإن غداً لناظره قريب , ولو كان الوعدُ من دبش .



تعليقات

أحدث أقدم