المقامة الباكسرومانية في جدل السلام والهيمنة

مشاهدات


صباح الزهيري


حدثنا أبو العبرة الواضحة , قال : 

كنتُ أسير ذات يومٍ في سوق الأفكار , أتأمل بضاعة الزمن , وأقلّب في دفاتره المطوية , فاستوقفني شيخٌ وقور , قد نَقَشَتْ على وجهه تجاعيدُ القرون , وعينُه لا تريمُ عن النظر في مرآة التاريخ , فقلت له : 

يا حكيم العصر, ما خطبُ هذا الهرج والمرج الذي أرى؟ أيُّ سلامٍ هذا الذي يُبشَّرُ به , ويُسمّى Bax  أوغسطيّاً أو أمريكيّاً ؟ أهو سِلمٌ ارتضته القلوب , أم هُدنةٌ فرضتها السيوف ؟ فقال لي الشيخ وهو يتكئ على عصا السرد الطويل : 

يا فتى , سلّمتَ , ولكنْ , ليس السلامُ  سِلْمَ القلوب الطائعة , بل هو سكينةٌ مفروضةٌ بسطوة القوة القاهرة , ألا تسمع بالBax رومانا ؟ ذاك سلامٌ  دام قروناً , نعم , ازدهرت فيه التجارة والفنون , وعمّ الرخاء أرجاء الإمبراطورية العظمى من المحيط إلى الشرق , ولكنه لم يقم إلا على صليل الحديد الروماني , وسطوة الجيش الذي لا يُقاوَم .


ثم تنفس الصعداء وقال : 

وها نحن اليوم , نشهدُ العصرَ الحديث , حيث الBax أمريكانا , سَلامٌ بعد الحرب العظمى الثانية , ساد في أطراف العالم الغربي , فطابَ العيشُ في دول الشمال واليابان والأنغلوفونيِّين , نَسِيَ هؤلاءُ ويلاتَ القتال , وانتقلت الصراعات إلى أطراف الأرض القصيّة , تُرَى على الشاشات , وتَمَسُّ أناساً آخرين , فهل غيَّرت القوةُ العظمى وجهها ؟ أم أنها , كالرومان من قبلها , تستبطنُ الغطرسة التي ترى لنفسها حقَّ التدخل والوصاية , وتَفرِضُ مصالحها بالقوة الاقتصادية , ووراءها شوكة العسكر؟ فالتاريخُ يعيدُ ذاته , لا بالهيئة نفسها , بل بتبادل الأدوار والمصالح .

فقلت له : 

يا مولاي , أليس السلامُ هو الأصل , والحربُ طارئة ؟ فنفض الشيخ يده وهو يغمغم : 

هيهات , لقد أضلَّكَ الوهمُ يا بُنيّ , فلو قرأتَ كتب ماكميلان , علمتَ أن السلام ليس الحالة الطبيعية للبشر , بل إن الصراعات هي التي شكَّلَتْ المجتمعاتِ , والمجتمعاتُ أنتجت صراعاتٍ في دورةٍ لا تنقضي , فالحربُ , يا ولدي , هي المنطلقُ الرئيسُ للقيم والأفكار , وهي التي تُحَدِّدُ الهياكلَ الاجتماعيةَ والسياسية , وتُرَتِّبُ الأوامرَ والنواهي اللوجستيةَ التي تفوقُ تعقيدَ الأنشطة السلمية , وارتفعت نبرته وهو يسترسل : 

وللهِ في خلقه شؤون , فكم دفعت هذه الحربُ , بفظاعتها , إلى تقدمٍ تقنيٍّ لم يكن ليتحقق في زمن السلم , فمانهاتن النووي , والبنسلين  العلاجي , كلاهما وُلِدَا في حمَّى القتال , حيث تُجيزُ الضرورةُ ما لا يُجيزه الرخاء , وتُفرضُ الضرائبُ الاستثنائيةُ لتمويل مشاريعَ طموحة , بل إن المساواةَ بين طبقات المجتمع ارتفعت في فترات الحرب العالمية , وشهدت بريطانيا العظمى في خضمها تحولاً اجتماعياً بتمكين المرأة من التصويت , بعد أن أثبتت كفاءتها في ميادين الإنتاج والإدارة , حين غاب الرجالُ عنها.


فقلتُ متعجباً : إذن , فالحربُ شرٌّ لا مفرَّ منه , وطريقٌ نحو التقدم لا بد منه ؟ فأجابني الشيخ بنظرةٍ حكيمة : 

لا أُزكِّيها , ولا أُبشِّرُ بزوالها , فالحربُ تبقى عملاً منظَّماً من أعمال العنف , غايته إجبارُ الآخر على الخضوع , ولكنه واقعٌ , فالتاريخُ لا يُخبرنا بنهايةٍ للحرب , بل يعلِّمنا أن الصراعَ  يغيِّرُ أشكالَه , فمن سيوفِ الرومان إلى القنبلةِ النووية , ومنها إلى الحروب السيبرانية التي تشلُّ نُظُمَ الحياة اليومية , وختم كلامه قائلاً : 

إن القناعةَ الواثقةَ التي نخرجُ بها من هذا الجدل هي : 

الحروبُ لن تنتهي من الحيثيات الإنسانيةِ في أي وقتٍ قريب , فسواء كان Bax على نسق الروماني أو الأمريكي , فاعلم أنه سلامٌ موقوتٌ , تحته جذوةٌ من صراع كامن , فهل أنت مستعدٌ لتقبُّلِ هذه المفارقة  إن المتأمل في هاتين الفترتين من السلام المفروض ليجد أوجه شبهٍ لا تُنكَر , فكلاهما قام على فكرة المركز المُهيمِن الذي يفرضُ النظامَ والاستقرار بالقوة العسكرية أولاً , ثم بالقوة الاقتصادية والثقافية ثانياً , فكما بسطت روما نفوذها بجيوشها التي لا تُقهَر على حوض المتوسط , بسطت أمريكا سيطرتها على النظام الدولي بعد انهيار السوفيت , ولكن الفارق الأهم يكمن في طبيعة النظام نفسه , فأل Bax رومانا كان هيمنة مطلقة لإمبراطورية واحدة تتخذ شكل ديكتاتورية , بينما الBax أمريكانا هي هيمنة نسبية ضمن نظام دولي متعدد الأقطاب , لا تستطيع فيه أمريكا إلغاءَ القوى الأخرى تماماً , بل تتعايش معها في توازنات معقدة , مما يجعل سلامها أكثر هشاشة وأقل استدامة. كما أن أدوات القوة اختلفت بين النموذجين , فبينما اعتمدت Bax رومانا على القوة العسكرية الرومانية بشكل أساسي لفرض النظام واستخلاص الموارد , توسعت أدوات Bax  أمريكانا  لتعانق القوة الاقتصادية الدولار, التجارة العالمية والثقافية  السينما , التكنولوجيا , الأفكار , لقد كانت شرعية روما مستمدة من قوتها الذاتية وقدرتها على القتل الجماعي المنظم , أما أمريكا , ورغم اتهامها بالغطرسة , فهي تعمل تحت مظلة شبكة من المؤسسات الدولية الأمم المتحدة , الناتو , البنك الدولي , وإن كانت توجهها لمصالحها , هذه الفروقات تجعلنا نخلص إلى أن تحديات إدارة الهيمنة في العصر الحديث أكثر تشابكاً , فالقوة ليست في السيف وحده , بل في النفوذ الذي يتسرب إلى عقول الناس وأنظمتهم المالية.

تعليقات

أحدث أقدم