من الاعتراف إلى إعادة التموضع الدولي: قراءة استراتيجية لخطاب مريم رجوي في مجلس الشيوخ الأمريكي

مشاهدات



د. سامي خاطر

أكاديمي وأستاذ جامعي


إطار جديد للتعامل مع إيران : تجاوز منطق إدارة الأزمة
في خطابها التاريخي أمام مجلس الشيوخ الأمريكي في 11 ديسمبر 2025، قدّمت السيدة مريم رجوي إطارًا سياسيًا متكاملًا يهدف إلى إعادة تعريف شاملة لتعامل المجتمع الدولي مع الملف الإيراني. جوهر هذا الإطار لا يرتكز على مطالبات تقليدية بتمويل أو تسليح أو تدخل عسكري خارجي، بل يتكثف في مطلب واحد ومحدد: الاعتراف بنضال الشعب الإيراني وحقه المشروع في تغيير نظامه. هذه المقاربة تمثل تحولاً نوعياً ومهماً؛ إذ إنها تنتقل بالنقاش من منطق "إدارة الأزمة" والاحتواء المؤقت إلى منطق استراتيجي يعتمد على إعادة التموضع السياسي تجاه نظام فقد فعلياً شرعيته الداخلية. إن هذا الطرح يتيح لصناع القرار في العواصم الغربية فرصة حقيقية لإعادة تقييم سياسات ثبت فشلها الذريع، سواء في كبح القمع الداخلي الممنهج أو في تعديل السلوك الخارجي المزعزع للاستقرار الذي يتبعه النظام.


الاعتراف كـ "استراتيجية نزع الشرعية"
تحليلياً، يمكن تصنيف هذا الخطاب ضمن ما يُعرف في أدبيات السياسة الدولية بـ "استراتيجية نزع الشرعية". فبدلاً من السعي لإسقاط النظام عبر أدوات القوة الصلبة التي غالباً ما تثير الحساسيات الدولية، تهدف رجوي إلى سحب الغطاء السياسي والأخلاقي الذي يسمح للنظام بالاستمرار في القمع والتمثيل الكاذب للشعب الإيراني. ويعكس تأكيدها المتكرر على عدم طلب أي دعم مالي أو عسكري، فهماً عميقاً لحساسية صناع القرار الغربيين تجاه سيناريوهات "تغيير الأنظمة بالقوة" التي يخشونها، ويضع المبادرة بالكامل داخل إطار القانون الدولي ومبادئ حقوق الشعوب. وبهذا، يمثل "الاعتراف" خياراً سياسياً أقل كلفة وأكثر استدامة من الاستمرار في الاعتماد على العقوبات العسكرية أو التفاهمات الأمنية المؤقتة . إن الاعتراف السياسي يعني عملياً : إنهاء احتكار النظام لتمثيل الشعب الإيراني في المحافل الدولية، وتمكين المعارضة المنظمة من العمل تحت مظلة شرعية دولية، والأهم من ذلك، تحويل ملف حقوق الإنسان من قضية هامشية إلى أداة ضغط مركزية وفاعلة. هذا الإطار يضع الولايات المتحدة وأوروبا أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية، وليس أمام مغامرة عسكرية غير محسوبة.


ما الذي يميّز الطرح ؟ تفكيك الحجج التقليدية

يتميز خطاب رجوي عن الطروحات التقليدية للمعارضة في ثلاث نقاط محورية تصب في اتجاه واحد :

1. نقل مركز الثقل إلى الشرعية السياسية: بدلاً من التركيز على موازين القوة الصلبة، يتم التركيز على الاعتراف الدولي واعتماد استراتيجية نزع الشرعية بديلاً عن المواجهة العسكرية المباشرة.

2. تفكيك سردية "البديل غير الموجود": تسعى رجوي إلى نسف هذه الذريعة الغربية التقليدية من خلال تقديم برنامج سياسي واضح وقابل للتطبيق، يشمل: فصل الدين عن الدولة، والمساواة الكاملة، وإلغاء عقوبة الإعدام، والالتزام بإيران غير نووية.

3. تحييد فزاعة التدخل الأجنبي: الإصرار على عدم طلب المال أو السلاح يسحب من النظام ذريعته الأساسية والتقليدية لتجريم أي حراك داخلي على أنه "مؤامرة خارجية".


دروس من التاريخ : نماذج التحرر الدولي

يمكن مقارنة طرح مريم رجوي بنماذج تاريخية بارزة أثبتت فيها الشرعية السياسية تفوقها على القوة العسكرية:

- جنوب أفريقيا (ثمانينيات القرن الماضي) : لم يُهزم نظام الفصل العنصري بالسلاح الخارجي، بل عبر نزع شرعيته الدولية والاعتراف بحركة التحرر الداخلي. كان الاعتراف السياسي، وليس الدعم العسكري، هو العامل الحاسم.
- أوروبا الشرقية قبل سقوط جدار برلين: ساهم الاعتراف الغربي بحركات المعارضة السلمية، كحركة "تضامن" في بولندا، في تقويض الأنظمة الشمولية دون الحاجة لتدخل عسكري مباشر.
- تونس 2011: لم يكن العامل الحاسم هو التدخل الخارجي، بل سحب الدعم السياسي الدولي تدريجياً عن نظام زين العابدين بن علي.


تستلهم رجوي هذه النماذج لتؤكد أن الاعتراف ليس إجراءً رمزياً، بل أداة تغيير فعالة ومُجربة.


التكلفة الحقيقية لشرعنة النظام
إن الاستمرار في التعامل مع نظام الملالي بوصفه الممثل الشرعي الوحيد لإيران يقوض مصداقية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، ويطيل عمر نظام يعتمد على القمع للبقاء، ويضعف فرص الاستقرار الإقليمي على المدى المتوسط. في المقابل، يمثل الاعتراف بنضال الشعب الإيراني أداة ضغط منخفضة الكلفة وعالية التأثير. هذا البرنامج السياسي الواضح يهدف إلى طمأنة صناع القرار بأن التغيير في إيران لن يكون "قفزة في المجهول"، بل انتقالاً يمكن احتواؤه وإدارته سياسياً.


خلاصة وتوصيات لصناع القرار
يحمل هذا الخطاب ثلاث دلالات رئيسية لصناع القرار: ارتفاع كلفة الاستمرار في سياسة المسايرة، وتزايد قابلية خيار الاعتراف كأداة ضغط، ووجود معارضة تسعى للشرعية لا للوصاية.


التوصيات المباشرة:
- إدراج الاعتراف بحق الشعب الإيراني في تقرير مصيره ضمن الخطاب الرسمي.
- وقف استخدام المحافل الدولية كمنصات لشرعنة النظام سياسياً.
ربط أي تواصل دبلوماسي بسجل حقوق الإنسان، وليس فقط بالملفات الأمنية.
- الاعتراف بالمعارضة المنظمة كطرف سياسي شرعي في النقاش الدولي.
- إنهاء سياسة المسايرة بوصفها خياراً استراتيجياً فاشلاً.


في الختام، خطاب مريم رجوي هو محاولة واعية لإعادة صياغة المقاربة الدولية لإيران. هي لا تطلب من العالم أن يقاتل نيابة عن الإيرانيين، بل أن يتوقف عن حماية جلاديهم بالصمت أو المساومة. في هذا السياق، يصبح السؤال المركزي أمام العواصم الغربية :


هل الاعتراف بحق شعب في تقرير مصيره مخاطرة سياسية… أم تأجيله هو المخاطرة الحقيقية؟

تعليقات

أحدث أقدم