صهيب المياحي
منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي عام 1948، تميزت العلاقة بين الدين والسياسة في تشكيل الهوية الوطنية بعمق يتجاوز الشعارات العلمانية الظاهرية؛ إذ اعتمدت الدولة الوليدة على الرموز والمفاهيم التوراتية لترسيخ سردية تأريخية تمتد من الماضي إلى الحاضر. هذه الرموز لم تكن زخرفا ثقافيا، بل أداة مركزية لإضفاء الشرعية الدينية على الصراعات الحديثة، وتقديم النزاعات العسكرية بوصفها امتدادا لمعركة بني إسرائيل ضد "أعداء الرب"، وفق ما ورد في العهد القديم . أحد أبرز تجليات ذلك يظهر في تسمية العمليات العسكرية الإسرائيلية بأسماء مستمدة من التاريخ التوراتي، مثل "عربات جدعون".. يستحضر هنا جدعون، القاضي الذي هزم المديانيين بمعونة إلهية رغم ضعف عدده، لتضفي على الجيش الإسرائيلي هالة من الدعم الإلهي، وتعيد إنتاج سردية النصر الإلهي في سياق الصراع الحديث. هذا الاستخدام الرمزي يتجاوز البعد الديني إلى غرض نفسي واجتماعي؛ إذ يعزز الهوية القتالية في مجتمع إسرائيلي متنوع إثنيا وثقافيا، ويؤكد فكرة "الشعب المختار" في مواجهة "الأعداء".
وظيفة الرموز الدينية مزدوجة : داخليا، توفر الأرضية المشتركة لتعزيز الانتماء الوطني، وإقناع الجماهير بشرعية الصراع. وخارجيا، تقدم الحروب على أنها دفاع عن حق إلهي في الأرض، لا نزاع سياسي أو استعمار تقليدي. بهذا، تتحول اللغة العسكرية إلى أداة سياسية ودينية متشابكة، تعمل على تشكيل الوعي الداخلي والخارجي، ولا سيما في المشهد الإعلامي الدولي، حيث يستعمل هذا الخطاب لإعادة إنتاج صورة إسرائيل كدولة قوية ومنضبطة، ومدعومة إلهيا . على الجهة المقابلة، أظهرت حركة حماس قدرة لافتة على قراءة هذه التسمية العقائدية والرد عليها بمثلها، فيما يعكس دهاء سياسيا مدروسا. استخدام رموز دينية في العمليات الدفاعية، مثل "حجارة داود"، يربط بين حقيقة النبي داود الذي هزم جالوت، وبين المقاومة الفلسطينية المعاصرة، ليحول كل مواجهة إلى امتداد لرواية جهادية، تحمي الحقوق والوجود. هذا النهج يعيد صياغة الصراع على نحو يحافظ على التوازن النفسي والسياسي، ويمنح الفلسطينيين إطارا معنويا وثقافيا لمواجهة الرواية الإسرائيلية ، التي توظف الدين لصالح الهيمنة العسكرية. التسميات العقائدية، سواء من الجانب الإسرائيلي أو الفلسطيني، تحمل رسائل مزدوجة: فهي أداة تعبئة داخلية، وأداة شرعية خارجية. وهي تعمل على ترسيخ الهوية القتالية، وتعزيز الانتماء المجتمعي، وإثارة الحماسة الجماهيرية، وتسهم في تبرير الحروب أمام الرأي العام الدولي بوصفها صراعا دفاعيا مقدسا، لا نزاع مصالح عاديا.
في الإعلام الفلسطيني والعربي، اعتمدت الرواية المقابلة على مفردات رمزية ذات طابع ديني وجهادي، مثل "سيف القدس"، و"طوفان الأقصى"، و"العصف المأكول." هذه التسميات تنقل الصراع إلى بعد رمزي وروحي، وتقدم كل مواجهة على أنها امتداد لمعركة وجودية بين الحق والباطل، بين المحتل والمقاوم، لتأكيد حق الفلسطينيين في الدفاع عن أرضهم وهويتهم. وبذلك يظهر الصراع في صورة سرديتين متوازيتين، إذ يعيد كل طرف من خلال سرديته إنتاج التاريخ وفق منظور يعزز موقفه السياسي والديني، ويشكل وعي جمهوره الداخلي والخارجي. والتوظيف الإستراتيجي للرموز التاريخية والدينية يكشف مدى قدرة الأطراف على مزج الدين بالسياسة ؛ بطريقة تعيد تشكيل المشهد الذهني للأفراد والمجتمعات. في إسرائيل، يستثمر الدين لتعزيز القوة والسيطرة، ولخلق تماسك داخلي في مجتمع متنوع يعاني من صراعات إثنية داخلية. أما في فلسطين، فيوظف الدين كأداة مقاومة معنوية وسياسية، لإضفاء البعد الروحي على المقاومة، وتقديم الصراعات الراهنة على أنها امتداد لمعركة العدالة التاريخية. هذا التوازي في الاستخدام يوضح أن الصراع ليس نزاعا عسكريا أو سياسيا فحسب، بل هو صراع رمزي وثقافي يعاد من خلاله إنتاج الرواية التاريخية والهوية الجماعية لكل طرف. علاوة على ذلك، يظهر كيف أن الدين، بعيدا عن كونه معتقدا روحيا، أصبح أداة مركزية في صياغة إستراتيجيات التعبئة، وتحديد السياسات الإعلامية، وترسيخ سرديات القوة والشرعية. الصراع الإسرائيلي يتجاوز الأرض والسياسة إلى ما هو أعمق: إلى قلب الهوية والرمزية.. استخدام الرموز التوراتية والعقائدية- سواء في العمليات العسكرية أو الإعلام- يمثل إعادة إنتاج للحرب على المستوى النفسي والثقافي، حيث يسعى كل طرف إلى الاستحواذ على الرواية التاريخية، وتوظيفها لتحقيق أهدافه السياسية، وتعزيز موقفه الأخلاقي والديني في الصراع المستمر. وهكذا تتحول المعارك المادية إلى صراع على المعنى والوعي الجمعي، وتتقاطع السياسة بالدين؛ لتصبح كل تسمية وكل عملية عسكرية رسالة مركبة تخاطب الداخل والخارج، وترسم ملامح الصراع في ذاكرة التاريخ والوعي الجماعي.

إرسال تعليق