صباح الزهيري
نشر الدكتور محمود الجاف تحت عنوان :
حين غابت شمسُ العراق , خيَّم على الدنيا الظلام
تضمن فلما عن شاعر حضر مؤتمرا للشعراء العرب , كل يمثل بلده , ألا العراق الذي افتقده عريف الحفل , ألأمر الذي دعى هذا الشاعر البدوي الذي كان مستمعا , وأستفزه الكلام عن غياب العراق , أن يرتجل ألأبيات التالية :
أحنا شمس الله التعلت بالسما
ساعة الغبنة وصارت الدنيا ظلام ,
احنا احرف كتاب وملحمة
ومن سكتنة عافت الناس الكلام ,
واحنا سنينة العدل بين الشعوب
وأحنا علمنة الخلك شنهو السلام ,
واحنا اصحاب العهود الوثقة
ومن سوانا يرعي للناس الذمام ,
واحنا من عدنا طلعت خيل الجهاد
تدعو الله وتنشر الحب والوئام ,
واحنا سنينا العدل بين الشعوب
واحنا علمنا الخلك شنهو السلام ,
واحنا ديوان الكرم والمرجلة
واحنا عزنا الوهب للعز احترام ,
واحنا قطب شلون مادار الفلك
يرجعلنا انعيد للناس النظام ,
واحنا اهل نوح ونجاته ومركبه
ومن يفيض الماي يوصل لنسام ,
واحنا بيدين النبي موسى عصى
يوم نزعل نبتلع نلقف هوام ,
واحنا بلسان النبي طه هداية
تهدي الثقلين من الانام ,
واحنا اهل الله ورحمته وايته
واحنا فرزنه الحلال من الحرام ,
واحنا ابراج الكواكب بالسما
لو نزول ايصير بالكون اصطدام ,
واحنا جند الله واسوده وغضبته
واحنا سيف الحق بركاب اللئام ,
واحنا صرنا هلال تركبنا العباد
واحنا فرحة عيد من بعد الصيام ,
واحنا الاجل اخيارنا الدنيا انبنت
لو جفوها اقرا على الدنيا السلام ,
اولياء الله وراثة من الرسول
منهم النعيمي نسل خير الانام ,
علم شامخ فوك هامات الجبال
يوم طاحت وانزلت كل العلام .
أبيات تعكس رقة الغياب ومرارة المحنة التي تلت الغزو, مع الحفاظ على روح الفخر والانكسار في آن واحد :
وبعد أن كان العراق شمس الله التي لا تغيب , توارت خلف سحب الغدر , فخيّم على الرافدين ليلٌ طال أمده , واستأسدت في عتمته الغربان , دخل الغرباء بأحذيتهم الثقيلة , لا ليفتحوا أبواب الحرية كما زعموا , بل ليوصدوا أبواب التاريخ بوجه أصحابه , وليسرقوا من مآذن بغداد رنين ذهبها , ومن دجلة بريق صباه , لقد غاب العراق , فغاب معه ميزان العرب , وتيتمت العروبة في مهدها , وكيف لا تظلم الدنيا , وقد أُطفئت منارة العلم التي كانت تضيء للعالم دروب المعرفة ؟ وكيف لا يضطرب نظام الكون , وقد تداعى القطب الذي كان يمسك توازن القوم ؟ لقد صار العراق -الذي سنّ العدل بين الشعوب- مسرحاً للظلم , وميدانًا تجول فيه خيول الفوضى , بعد أن كانت خيوله لا تسرج إلا للجهاد والوئام . يا لوعة الكلمات حين تبحث عن وطنها , فالشاعر الذي ارتجل تلك الأبيات , لم يكن يدافع عن اسم في خارطة , بل كان يرمم روحاً تمزقت بين أنياب الغزو , إن محنة العراق بعد غيابه القسري لم تكن محنة جغرافيا , بل كانت نكبة حضارة , حيث استبدلوا بالديوان ركاماً , وبالكرم عوزاً , وبالمرجلة غربةً في داخل الوطن , ولكن , وإن غابت الشمس ساعة , فمعدنها الضياء , وإن توارى الهلال خلف الغمام , فمصيره التمام , سيبقى العراق آية الله ورحمته في أرضه , وسيذكر التاريخ أن سيف الحق الذي نبا يوماً , لا بد أن يصقله الصبر ليعود أشد مضاءً , فمن كان أهله نسل خير الأنام لا يضام . لقد كان غيابُ العراق عن مِحفله زلزالاً لم يرجَّ أركان قاعة الشعر فحسب , بل رجَّ ضمير الأمة , فبين ليلةٍ وضحاها , تحول قطب الرّحى إلى أرضٍ مستباحة , وصار مهدُ القوانين وموئلُ الأنبياء مسرحاً لعبث العابثين , حين غابت شمس العراق تحت وطأة الغزو , لم يغب الضياء عن بغداد وحدها , بل أظلمت البصيرة في عيون جيرانها , وتيتمت القيم التي كانت تذود عن حمى العروبة , لقد أرادوا بذاك الغزو غرس الخوف في قلبٍ لا يعرف إلا الجود , واستبدال مسلة العدل بشريعة الغاب , حتى غدا المواطن الذي علّم الدنيا شنهو السلام غريباً في أزقةِ مدنه , يبحث بين الأنقاض عن بقايا ديوان الكرم الذي هدمته معاول الحقد , وعن خيل الجهاد التي كُبلت في مرابضها لتفسح المجال لغربان الخراب. إنها المحنةُ التي جعلت من أحرف الكتاب صرخاتٍ مكتومة , ومن ملحمة التاريخ أطلالاً يبكي عليها الشجر والحجر, لقد غُيّب العراق قسراً , فحاولوا طمس أبراج الكواكب التي كانت ترقبها العباد , وظنوا أن كسر السيف سيمحو تاريخ أسود الله وغضبته , لكنهم تناسوا أن من كان أصل النجاة ومركبها لا يغرق في لجة الدماء , ومن كانت في يمينه عصى موسى سيظل قادراً على لقف هوام الزيف مهما تكاثرت , إن هذا الغياب الذي أوجع ذاك الشاعر البدوي واستفزَّ كبرياءه , لم يكن إلا غيمةً سوداء في نهارٍ طويل , فالعراق الذي انبنت الدنيا لأجل أخياره لا يسلم مفاتيح الفجر للظلام للأبد , وستظل صرخةُ ذاك الشاعر في المؤتمر شاهداً على أن الشمس قد تتوارى خلف دخان الحروب , لكنها أبداً لا تستأذن أحداً لكي تشرق من جديد.
ومضة ختامية للمقامة :
يا غريب الدار لا تنشد علام ,
العراق بخير لو جار النظام ,
تظل رايتنا ترف فوق السحاب ,
ويظل شموخنا عصي على السهام ,
نحنُ الأصلُ وفصلُ القولِ فينا ,
ومن بعدنا يُرفعُ عن الدنيا الكلام ,
ولما كانت الشمس بركان في السماء , ومصدر الحياة الذي يهدد الأرض بالهلاك , تتجلى محنة الغياب , وانكسار الضياء , وفي غياهب الانكسار , وضياع البوصلة , ونزيف الروح , وصمود الهوية خلف الرماد :
واحنا شريان الحضارة ومن هله ,
من فجرنا انصاغ للدنيا لجام ,
واحنا أول من كتب حرف وقرأ ,
وعلم الجاهل يفك ريق القلام ,
واحنا ما هزهز جبلنا ريح عاد ,
وما طفى نيراننا كيد اللئام ,
لو عطش دجلة شربنا من الفرات ,
ولو غفى التاريخ نكعدله قيام .
وفي الفجر المنتظر , عودة الشمس إلى مدارها , وحين يحصحص أوانُ الحق , وتنقشع دخانُ المحنة عن وجه الرافدين , ليعلن للعالم أن قطب الفلك لا يحيد عن مداره مهما اشتدّ الزمان , في تلك اللحظة الدرامية , سيصعد العراق من جديد منصة التاريخ , لن يصعد بجراحٍ نازفة , بل بهيبة الأنبياء وصبر الأولياء , كأنه نوح الذي خرج من لجّة الطوفان ليمنح الأرض عهدًا جديدًا , تسمّرت العيون وشخصت الأبصار , فالشمس التي ظنوا أنها غابت خلف تلال الغزو , أشرقت بضياءٍ لا تشوبه عتمة , وكأن تلك السنين العجاف لم تكن إلا صقلاً لمعدنه الأصيل , عاد العراق ليملأ مقعده الشاغر , ليس بكلمات الخطابة , بل بوقار أصحاب العهود الوثيقة , ليعيد للناس نظامهم , وللعروبة توازنها , وللكلام ملحه ومعناه . وعندها , ستصمت كل الأصوات التي تجاسرت في غيابه , وسترتعد هوام الزيف أمام عصا حقيقته , فالعراق ليس مجرد بلدٍ يُغزى , بل هو آيةُ الله في خلقه , وسرُّ بقاء الضياء في كونٍ كاد يبتلعه الظلام , وسيعود أهل الهداية ليفترشوا سجاد الصلاة في محراب المجد , وليعلنوا أن الدار التي بُنيت لأجل الأخيار لا تسقط , وأن الهلال الذي ارتقبته العباد صار بدراً يضيء ليل السائلين , وحينها فقط , سيدرك الجميع أن الدنيا بلا عراق كصيامٍ بلا عيد , وأن بغداد مهما توجعت , تبقى هي فرحة الصائم ومنارة القادمين , ليختم التاريخ سجله بمداد من نور:
إن غابت شمسُ الأرضِ أجمع ,
تظلُّ شمسُ الله في العراقِ ساطعةً ,
لا يحجبها غزوٌ ,
ولا يطفيها غدر .

إرسال تعليق