مشاهدات
د. سامي خاطر
أكاديمي وأستاذ جامعي
مقدمة : نظام يهرب من الداخل إلى الخارج
لا يقتصر سعي نظام الملالي اليوم على حماية سلطته داخل إيران فحسب؛ بل يمدّ قبضته الأمنية إلى كل مكان تطأه قدم معارض أو تصل إليه كلمة حرّة. فعندما يعجز النظام عن إسكات صوت الشعب المنتفض في شوارع طهران وأصفهان وتبريز، يلجأ إلى مطاردة المعارضين في أوروبا وأمريكا والعالم العربي عبر حملات تجسّس وترهيب معقّدة، توظّف لها كل أدوات الدولة : من الجهاز الدبلوماسي والأمن إلى الميليشيات والمال السياسي . إن الرسالة التي يسعى النظام لإيصالها واضحة: لا مكان آمنًا لمن يعارض الملالي، حتى لو ابتعد آلاف الكيلومترات.
شبكات تجسّس تحت عباءة المؤسسات "الثقافية"
من أخطر أدوات النظام في الخارج إنشاء شبكات تجسّس متناثرة حول العالم، تعمل بذكاء تحت غطاء مراكز دينية وثقافية تبدو ظاهريًا بريئة، لكنها في الواقع منصات لتجنيد العملاء، وجمع المعلومات، ورصد المعارضين. تعتمد هذه الشبكات على تكتيكات متعددة، تشمل:
- خلايا نائمة تترقب الأوامر لتنفيذ المهام.
- أفراد يدّعون صفة اللجوء السياسي بينما يؤدّون مهام استخباراتية ممنهجة.
- مراكز ثقافية تستغل الأنشطة الاجتماعية ستارًا لتحديد القيادات المعارضة.
وكثيرًا ما تكشف التقارير الأوروبية أن دور هذه المراكز لا يقتصر على التجسّس فحسب، بل يتجاوزه إلى زرع الفتن داخل الجاليات الإيرانية والإساءة للمعارضين عبر حملات تشويه منظّمة.
الاغتيالات والمحاولات الفاشلة: من باريس إلى الدنمارك
يمتلك النظام سجلًا أسود وطويلًا من العمليات التي استهدفت معارضين بشكل مباشر في الخارج، وهو ما يكشف عن تحويل السفارات إلى أوكار استخباراتية، والدبلوماسيين إلى ضباط ميدان. من أبرز هذه العمليات التي أثارت أزمات دبلوماسية :
- محاولة تفجير مؤتمر للمعارضة الإيرانية في باريس عام 2018، وهي عملية تورّط فيها دبلوماسي إيراني كان يعمل في فيينا بشكل مباشر.
- محاولة اغتيال معارض في الدنمارك عام 2018، ما أدى إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين البلدين.
- تورط وكلاء لإيران في نشاطات مراقبة وتهديد وملاحقة في دول أوروبية أخرى كـ هولندا وبلجيكا والنرويج وألمانيا.
الحرب السيبرانية: ساحة جديدة للقمع والتشويه
يدرك النظام أن العالم الرقمي أصبح ميدان مواجهة لا يقل خطورة عن أرض الواقع، لذلك أسس ما يُعرف بـ "الجيش السيبراني الإيراني"، الذي يتخصص في استخدام التقنية للقمع عبر:
- اختراق حسابات النشطاء والمعارضين وسرقة بياناتهم الشخصية.
- مراقبة اتصالات عائلات المعارضين داخل إيران.
- بث الشائعات وتشويه المعارضين عبر جيوش إلكترونية ضخمة وحسابات وهمية.
ولم تسلم وسائل الإعلام الدولية من هذه الهجمات، فقد تعرضت منصات وصحف عالمية لمحاولات اختراق تهدف إلى تعطيل تقاريرها التي تتناول انتهاكات النظام.
إرهاب العائلات: الضغط الأكثر دناءة
عندما يفشل النظام في إخضاع المعارض بالخارج، فإنه يلجأ إلى سلاح أقذر وأكثر دناءة، وهو استهداف أسرته في الداخل. يمارس النظام هذا الضغط عبر استدعاءات أمنية متكررة، وحرمان الأقارب من الوظائف أو الجامعات، وصولًا إلى التهديدات المباشرة بالاعتقال أو التعذيب، ومنع السفر أو مصادرة الوثائق. بهذا الأسلوب، يحوّل النظام الأبرياء إلى رهائن، ويستخدم روابط الدم كأداة لخنق الصوت الحرّ المعارض.
شراء الأقلام والساحات الإعلامية
في الوقت ذاته، ينفق النظام ملايين الدولارات على آلة دعاية سوداء مهمتها تبييض سجله الأسود وتشويه المعارضين. يتم ذلك من خلال :
- تمويل صحف ومواقع إلكترونية بشكل غير مباشر.
- تجنيد كتّاب يدافعون عن "الاستقرار" الإيراني مقابل مكاسب سياسية أو مالية.
- إنشاء مراكز أبحاث مزيفة تعمل على صياغة روايات مضللة يمكن بيعها للإعلام الغربي.
- يهدف النظام من هذه الدعاية إلى خلق صورة زائفة بأن المعارضين مجرد "عملاء" للخارج، بينما الحقيقة هي أن النظام نفسه قائم على تحالفات مشبوهة وميليشيات عابرة للحدود.
الخاتمة : كلما اشتدّ القمع اتسعت الهشاشة
إن حملات التجسّس والترهيب التي يمارسها نظام الملالي ليست علامة قوة أو ثقة، بل هي علامة ذعر سياسي ومؤشر واضح على نظام يدرك أنه فقد شرعيته داخل إيران. إن هذا السعي المحموم لمطاردة معارض في باريس أو لندن، هو نتيجة مباشرة للذعر الذي تسببه هتافات الشعب في شيراز وكردستان والأحواز. هو نظام محاصر بالأزمات الداخلية والخارجية، ولذلك يسعى بكل قوته إلى إسكات كل صوت حرّ، حتى لو كان في قارة أخرى.

إرسال تعليق