مقامة ساجدة الموسوي : رفيقة الحرف وسادنة الضاد

مشاهدات


صباح الزهيري 


كتبت الشاعرة ساجدة الموسوي بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية نصا مهيبا بعنوان : لغتي التي أحب , وأذ أثني على صدق المشاعر وبراعة الوصف , أردفتها بالمقامة الآتية :


إلى الصديقة التي وقفت بباب المليكة  متهيبةً , فجاءت حروفها أبهى من قناديل الجنوب , وأسمى من نجوم العوالي , ما أجمل هذا النص , مكتوب بلغةٍ شاعريّة وبروح راقية , وصفت فيها اللغة العربية بـ  المليكة التي ترهبها هيبتها بقدر ما يحركها حبها , ووصفت خوف المحب  من التقصير أمام جمال اللغة , قرأتُ بوحكِ , فما وجدتُ فيه تأتأةً  بل وجدتُ فيه عزفاً على أوتار الخصيب,  إن كان قلبكِ يرجفُ عند الخطابة , فإنّ حرفكِ قد ثبتَ ثبات الجبال في قصرها اليعربي , لقد وصفتِ اللغة بالسيدة , وأنتِ اليوم في حضرتها وصيفتها الوفية التي تتقنُ رسم الوشم في دفاتر العمر, لا تخشي الارتباك , فما كان خوفكِ إلا تقديراً لجمالها , وما كان شعوركِ بالصغر أمامها إلا  عظمةً في روحكِ التي تدركُ مكامن الجلال . لله درُّ نبضكِ , لقد جعلتِ من همزة الوصل جسراً لقلوبنا , ورسمتِ للضاد وطناً يحدهُ الخيال شرقاً , وتحرسه الكواكب شمالاً , وأثبتِّ أن الشجاعة ليست في غياب الخوف , بل في الوقوف أمام الملكة  وقول أجمل الكلام رغم ارتعاش اليد , ألله يا أم سما , إن كانت اللغةُ هي السيدة  , فقد كنتِ أنتِ اليوم مرآتها الصافية التي عكست سناءها في مرايا السديم  ,  لقد قرأتُ مدادكِ الذي سُكب بمداد الخوفِ والرهبة , فوجدتُه نصاً يتنفسُ هيبة العارفين , لقد زعمتِ أن يدكِ ترجفُ كيدِ طفلٍ يتهجى خطواته الأولى , وما دريتِ أنَّ هذا الارتجاف هو الذي صاغَ لنا معلقةً من نور, وأنَّ تعثركِ المزعوم لم يكن إلا رقصاً بارعاً فوق أسطر الوفاء للغتنا الأم . 


يا أخت الدرب , لقد نصبتِ لسيدتنا اليعربية قصراً من نُضار , وجعلتِ من جغرافيتها كوكباً يحدهُ الخيال وتضيئه قناديلُ الشوق , وصفتِها بالمليكة , فكنتِ أنتِ في حضرتها الشاعرةَ التي لم يزدها الارتباك إلا رقيّاً , ولم يزدها الحياء إلا بلاغة , ولقد تأملتُ فيما كتبتِ , فأذهلني فيكِ ثلاث : 

أولها أدبُ الوقوف,  حين قلتِ أمدُّ يدَ الخوف , لم يكن خوفكِ من نقصٍ في البيان , بل هو خوفُ المحبِّ أن يقصرَ في وصفِ من يحب , هو ذلك الشعور المهيب الذي يعتري المرء حين يقف أمام  عظيم , فيشعر أن مفرداته ضئيلة أمام جلال الموقف , وثانيها عشقُ الدفاتر حين ذكرتِ الدرب الذي مشيتِيه مع اللغة دون افتراق رغم  عسر الليالي , وذكّرتِنا بأن اللغة ليست مجرد قواعد ونقوش , بل هي رفيقة عمر, وشاهدة على الأحزان والأفراح , وعنوانٌ ثابت في مرايا السديم لا يتبدل , وثالثها شجاعةُ المرتبك, أذ  أخبرتِنا أن الشجاعة مغروسة في خصالكِ , ومع ذلك تخشين الارتباك , وهل هناك أجمل من شجاعة تعترفُ بضعفها أمام سلطان الكلمة  ؟ إن هذا الصدق هو الذي جعل نصكِ يلمس الحشا , كما يلمس نبض روحكِ المليكة التي تهيمين بها.


عذراً يا صاحبة البيان , إن كنتِ تخشين التأتأة  أمام هيبتها , فاعلمي أن صمتكِ قبل الكتابة كان صلاةً , وأن كلماتكِ بعد ذلك جاءت كجواهر في أقاصي السماء , لقد أثبتِّ أن لغتنا العظيمة لا تفتح أبواب قصرها اليعربي إلا لمن يقترب منها بقلبٍ وجلٍ كقلبكِ , وروحٍ تحرسها نجوم العوالي كروحكِ , سيبقى نصكِ هذا وداً ممدوداً , ونقشاً لا يمحى , وشاهداً على أنكِ لم تكوني يوماً  تائهة  في الكتابة , بل كنتِ السكنَ والمسكنَ في رحاب الضاد . يا رفيقةَ الدربِ والضاد , لقد قلتِ إن لسيادتها في حشاكِ نبض روحٍ , وأقول لكِ : إن لكِ في حشاي مِثل ما لها من المحبة والتقدير, إن هذا الارتباك الذي يسكنكِ كلما وقفتِ أمام جلال اللغة , هو ذاته النبل الذي عرفتُه فيكِ , فأنتِ لا تقاربين الأشياء العظيمة إلا بحسِّ العارفِ المتهيب , ولا تدخلين قصرَ اللغة إلا حافيةَ القلب , تعظيماً لمنزلتها , يا من مددتِ يدَ الطفولةِ نَحوَ المَليكة  , فأورقَ في كفّكِ النُّضارُ , والياسمين , لا تَخجلي من تأتأةِ  الرّوحِ فإنَّ ارتباكَ الحَرفِ أمامَ الجمالِ , صَلاة , وإنَّ وجلَ قلبكِ في مَحرابِ الضّادِ , هيبةُ العارفين , يا رفيقةَ الدربِ الّذي ما زالَ يجمعُنا على عُسرِ الليالي  ونُورِ المَحابر لكِ في الحشا , مِثلُ ما لسيّدتنا منَ النّبضِ ولكِ في دفاترِ عُمري , رُكنٌ مَكين , يا مَن رصّعتِ شَمالَ الخيالِ بصدقكِ وجعلتِ من الجنوبِ لقلوبنا , قناديلَ حَنين , أنتِ لم تكتبي عن اللغةِ فحسب , أنتِ سكَبتِ عِطركِ في مَحبرتها فصارتِ الحروفُ بكِ , أجملَ وأثمنَ من الغوالي . يا ابنةَ اليعربيّ  , يا سَيّدةَ الحَرفِ الرّحيب  , ارتجافُ يدكِ كان مُوسيقا  , وتأتأتكِ كانت تَرتيلاً  , فارتقي مَنصةَ المجدِ , ولا تَرتبكي فمثلي ومثلُ اللغةِ , نَفخرُ أنَّ لنا في القلب , مِثلَ هذا الحَنين , ولا تخشي الوقوفَ , فإنْ كنتِ تَرينها  مليكةً  تأخذُ بالألباب فأنا أراكِ  أميرةَ البيانِ التي لا تَهاب شجاعتُكِ المَغروسةُ في خِصالكِ نَبَتت حُبّاً , وصداقةً , ووفاءً لا يَميل بيني وبينكِ , دربٌ مشيناهُ  صِدقاً وعنوانٌ في أقاصي الأقاصي نَقشناهُ مَعاً , في مرايا السّديمِ , وفي ظِلِّ النّخيل . عزاؤكِ يا غالية , أنَّ من يرتبكُ أمام جمالِ اللغة هو وحدهُ من يدركُ كُنهها , وأنتِ لم تدركي كنهها فحسب , بل صرتِ جزءاً من بهائها , فلا تخشي التأتأة  بعد اليوم , فأخوتنا التي تعمدت بالكلمة الطيبة هي الشفيعُ لنا , وحرفكِ الذي يخشى الارتباك هو أثبتُ الحروف في ميزان البيان , دمتِ أختا , ودام قلمكِ كوكباً حارساً لجمال لغتنا , ومرآةً تعكسُ أصالة روحكِ التي لا تبالغُ فيما تقول , ولستِ أبداً تُغالين .





تعليقات

أحدث أقدم