حنان عبد اللطيف
مع انتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، تُطوى صفحة امتدت لنحو عقدين من الزمن، شكّلت خلالها البعثة أحد أبرز الفاعلين الدوليين في المشهد العراقي بعد عام 2003 . غير أن هذا الانسحاب لا يمكن قراءته بوصفه تطورًا طبيعيًا في علاقة العراق بالأمم المتحدة أو مؤشرًا على تعافي الدولة ومؤسساتها ، بل يبدو، وفق حصيلة الأداء، خاتمة لمسار طويل اتسم بالإخفاق، والازدواجية، وتوفير الغطاء الدولي لنظام سياسي مأزوم قام على المحاصصة، وتغوّل الأحزاب، وهيمنة الميليشيات، وتدخلات خارجية عميقة، لا سيما الإيرانية .
الإطار العام لعمل يونامي بعد 2003
تأسست بعثة يونامي في سياق سياسي وأمني شديد التعقيد أعقب الغزو الأمريكي للعراق، وكان يُفترض أن تضطلع بدور محوري في دعم بناء الدولة، وتعزيز السيادة، ومرافقة الانتقال السياسي وفق مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بالحكم الرشيد، وسيادة القانون، وحماية حقوق الإنسان. إلا أن المسار الفعلي لعمل البعثة كشف تدريجيًا عن فجوة واسعة بين المهام المعلنة والممارسة الواقعية. فبدل أن تكون يونامي صوتًا دوليًا مستقلًا يعكس تطلعات الشعب العراقي، تحولت في كثير من المحطات إلى منصة لإصدار مواقف إنشائية، وتقارير دورية تفتقر إلى الوضوح والمساءلة، وإحاطات لمجلس الأمن لم تترتب عليها أي تبعات سياسية أو قانونية تجاه الانتهاكات الجسيمة التي شهدها العراق.
تقارير مضللة وخطاب دبلوماسي ملتبس
تعاقب على رئاسة بعثة يونامي عدد من المبعوثين الدوليين، بدءًا من الباكستاني أشرف قاضي، مرورًا بـ أد ميلكرت، ومارتن كوبلر، ونيكولاي ميلادينوف، ويان كوبيتش، وجنين بلاسخارت، وصولًا إلى آخر رئيس للبعثة محمد الحسان. وعلى الرغم من اختلاف السياقات الزمنية، فإن القاسم المشترك بين معظم هؤلاء تمثل في اعتماد خطاب دبلوماسي ملتبس، وتقديم تقارير إلى مجلس الأمن وُصفت على نطاق واسع بأنها مضللة، وتعمل على “تبييض” صفحة حكومات الأحزاب والميليشيات المرتبطة بإيران، وتبرئتها من مسؤولية الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت بحق العراقيين، بل وحتى عن أدوارها العابرة للحدود في سوريا. وقد لجأت هذه التقارير إلى استخدام مفردات فضفاضة ومبهمة، مثل :
“دبلوماسية الصواريخ”،
“الطرف الثالث”،
“القناصة المجهولون”،
وهي مصطلحات ساهمت في تمييع المسؤوليات، وإفراغ الوقائع من مضمونها السياسي والقانوني، وحرمان الضحايا من أي مسار حقيقي للمساءلة الدولية .
الغطاء الدولي للنظام السياسي والميليشيات
أحد أخطر أوجه إخفاق يونامي تمثل في انحيازها العملي للنظام السياسي القائم، عبر الدفاع عنه في أحلك مراحله، ولا سيما خلال الاحتجاجات الشعبية الواسعة، وحملات القمع، والاغتيالات، وانتهاكات حقوق الإنسان. فقد بدت البعثة، في كثير من الأحيان، شاهدًا صامتًا على تغوّل الميليشيات، أو شريكًا غير معلن في شرعنة نفوذها، من خلال تجاهل دورها، أو التقليل من خطورته، أو مساواتها بالدولة. المفارقة اللافتة أن بعض رؤساء البعثة لم يبدأوا بانتقاد فساد النظام السياسي وإخفاقاته البنيوية إلا بعد مغادرتهم مناصبهم، في اعترافات متأخرة لا تغيّر من حقيقة أنهم، أثناء ولاياتهم، وفروا الغطاء الدولي اللازم لاستمرار منظومة الفشل.
البعد المالي وشبهات الفساد
إلى جانب الإخفاق السياسي، أُثيرت حول بعثة يونامي شبهات متكررة تتعلق بالفساد وسوء الإدارة. إذ إن البعثة كانت تمتلك ميزانية تُموَّل فعليًا من الدولة العراقية نفسها، بما في ذلك رواتب المبعوثين الأمميين والموظفين الدوليين، ما جعل وجودها عبئًا ماليًا إضافيًا على بلد يعاني من أزمات اقتصادية وخدمية خانقة. هذا الواقع أضعف من استقلالية البعثة، وعمّق الشكوك حول طبيعة علاقتها بالسلطات التي يُفترض أن تراقب أداءها.
تقييم شامل لحصيلة عقدين
إن حصيلة نحو عشرين عامًا من عمل يونامي تشير بوضوح إلى أنها لم تكن أداة لإنقاذ العراق أو دعمه في بناء دولة ذات سيادة كاملة، بل كانت في جوهرها آلية لإدارة الأزمات، واحتواء الغضب الشعبي، وتجميل صورة نظام سياسي فاسد، مع منح شرعية ضمنية لنفوذ الميليشيات والتدخلات الخارجية. ومن هذا المنظور، فإن وجود بعثة يونامي من عدمه لن يقدّم فارقًا جوهريًا للعراق، طالما أن دورها كان، في جوهره، متواطئًا مع حكومات الأحزاب والميليشيات ضد مصالح الشعب، وتحيط به شبهات فساد وانحياز بنيوي. اما تصريحات نهاية المهمة فكانت الفجوة الشاسعة بين الخطاب والواقع في آخر تصريحات مبعوث يونامي محمد حسان قبل مغادرته العراق، طالب مبعوث بعثة يونامي برفع العقوبات عن 72 مصرفًا كانت مرتبطة بعمليات غسيل اموال وانتهاك للقوانين الاقتصادية المفروضة على إيران، وهو موقف أثار تساؤلات حول فهم البعثة لطبيعة التحديات المالية والأمنية في العراق. كما جاء في تصريحاته من أربيل تأكيده على أن المرأة العراقية تنال حقوقها أفضل من نظيراتها في بعض الدول الأوروبية، بما في ذلك المساواة في الرواتب مع الرجال. إلا أن هذا التقييم يبدو متباعدًا بشكل كبير عن الواقع الميداني، حيث لم يُشر إلى مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية الذي يثير جدلًا حول انتهاكه لحقوق الأطفال، ولا إلى قانون الحضانة الجديد الذي تواجهه احتجاجات واسعة من قبل الأمهات العراقيات. كما غفل عن الإشارة إلى أعداد النساء المعتقلات واللواتي جرى تصفيتهن لأسباب سياسية أو اجتماعية، وعن التحذيرات الأوروبية المحتملة بفرض عقوبات على العراق في حال تمرير هذه القوانين. إضافة إلى ذلك، لم يتطرق التصريح إلى الإجراءات المذلة والمهينة التي تمارسها أجهزة الحكومة العراقية ضد مئات النساء والأطفال الذين يضطرون للانتظار لساعات طويلة لمقابلة ذويهم المعتقلين لأسباب طائفية أو كيدية، ما يعكس فجوة حقيقية بين الخطاب الأممي وواقع حقوق الإنسان في العراق. برحيل بعثة يونامي، لا يغلق العراق فصل نجاح، بل يطوي صفحة من التضليل الدولي المقنّع بشرعية أممية. وتُعاد، في ضوء هذه الخاتمة، صياغة السؤال الجوهري الذي ظل معلقًا طوال عقدين: من كان يمثل العراقيين حقًا في المحافل الدولية؟ ومن كان يستخدم اسم الأمم المتحدة لتكريس الفشل، وتبرير العجز، وحماية منظومة سياسية فقدت شرعيتها منذ زمن؟

إرسال تعليق