صباح الزهيري
جرت الانتخابات في موعدها تقريباً وبالأدوات ذاتها تقريباً , مال سياسي سخي , وبيع وشراء لبطاقات الناخبين , ونفوذ عشائري آخذ في التوسع داخل بنية النظام , وتوظيف واسع لإمكانات الدولة في خدمة كتل وأحزاب ومرشحين , مع حضورٍ واضح لتأثيرات إقليمية عربية وإيرانية وتركية , ومع ذلك , فإن النتائج لم تكن مجرد تكرارٍ ميكانيكي لدورات سابقة , بل أعادت رسم موازين القوى داخل الخريطة ذاتها من دون أن تغيّر قواعد اللعبة الأساسية , وقد سمح ذلك للسلطة بالتحدث عن استعادة الثقة لدى جزء من الشارع , لكنه لا يخفي استمرار القطيعة مع شرائح واسعة , خصوصاً في البيئة الصدرية التي قاطعت الانتخابات وتركت فراغاً سياسياً كبيراً . أما عن التيار المدني العراقي ومأزق التعاطي مع التحولات المجتمعية , فالحاصل ان له الاكتفاء بمتعة الاعتراض , فاليساريون وجماعة التيار المدني , أصحاب الخلق والنزاهة والوطنية , لم يعبروا الى مجلس النواب , كي يخدموا الوطن وهم من بناته أصلا , بسبب انهم اصبحوا برجوازيين فكريا على عكس التيارات الاسلامية التي ترتبط بالفقراء والجهلاء بشكل مباشر ومستمر على مدار السنة , اما عبر المناسبات الدينية او توزيع فتات المساعدات والزيارات الاجتماعية , اخلاقيا البيئة غير صالحة ويجب اصلاح المجتمع وتثقيفه لكن واقعيا وسياسيا , يجب النزول الى المجتمع والعودة للمبادئ الاشتراكية الشعبوية والتناغم مع الجيل الجديد الذي لا يهمه ماذا فعل فهد او سلام او عفلق , واصلا من يكونون .
يسميها كاظم المقدادي معركة ام الكعك , والكعكة , هي الكعكة نفسها , أمامهم ولوحدهم وللمرة السادسة , كتبوا عليها اسم العراق سخرية , سحب كبيرهم السكين , فقطع (الف - لام) التعريف , وظل العراق غير معرف وبلا هوية , وبحالة تحريف وتجريف , إلى هنا نقرأ وللمرة السادسة على بلاد النهبين السلام , وليس في الأمكان ( انگس ) مما كان , و في العالم كله من يدير ادارة الدولة هم من القادمين من جامعات عالمية , و ليس من الجهلة واللصوص وطارقي أبواب السفارات الاحنبية , لماذا هذا الخوف , كل الخوف من نيل السوداني ( ولاية ثانية) هل هي مصلحة وطنية عراقية , ام هي لمصلحة ايرانية ؟؟ هل تتذكرون فوز الدكتور إياد علاوي بفارق بسيط , وكيف انتفض نوري المالكي وكاد ان يعلن حالة طواريء انتخابية , بعد ان أطلق عبارته الشهيرة (ماننطيها) ظلت مدوية , وهي الرصاصة الأولى في رأس الديمقراطية , ومن يعتقد ان في العراق هناك شيء من الديمقراطية , في حكم الاغلبية الطائفية , وكان السيد مدحت المحمود خيرعون لنجدة صديقه المالكي , فقدم له فرية قانونية , ما انزل الله بها من سلطان , لكنها كانت وصفة وصوتاً سحرياً مثل صوت بلال عند الآذان . كتبت سلوى زكو عن عجائب وغرائب في الانتخابات : فشل غزوة شيوخ العشائر لدخول مجلس النواب , ما يقرب من ثلاثين شيخ عشيرة رشح نفسه ولا واحد منهم انتخبته عشيرته , وحصول الحزب الديمقراطي الكردستاني على اعلى الاصوات في محافظة نينوى (5 مقاعد) رغم ان نينوى ليست جزءا من اقليم كردستان ولا تسكنها غالبية كردية , وظهور كائنات غريبة بين المرشحين لا اهل لها ولا معارف ولا مؤيدين حتى ان كلا من هؤلاء لم يحصل الا على صوته , وبلغ عدد المصوتين لكوتا المسيحيين ضعف عدد المسيحيين انفسهم , وسارة اياد علاوي صارت نائبة , بحيث ان سافايا خانس فد خنسة الى آخر ذلك , وفيان دخيل خسرت , ومهزلة العملية السياسية مستمرة , انه القطيع الذي لم ينتخب مثقفا واحدا من حزب المثقفين لكنه ينتخب 72 نايب من خريجي رابع ابتدائي , هذا هو الواقع المؤلم ممكن بعد 200 سنة هذا الشعب يصل إلى وعي لينتخب من يمثله , أنه المجتمع السائل , أبناءُ القبائل , لماذا لم يصوّتوا لشيوخهم؟ أهو تمرّد , أم انصهارٌ مع الحالة السائلة ـ الاستهلاكية للمجتمع العراقي , حيث لا يربح مَن يصوّت لشيخه؟ فالربح والامتياز والمكاسب تكون للشيخ فقط , دون غيره .
اننا لا يمكن ان نبرئ التيار المدني , ولا نبرئ الأحزاب اليسارية بـ: قيادتها الحالية , ونوعية اعضائها , والعلاقات البيروقراطية السائدة في عملها الداخلي , كما نرى ونسمع , وبالعلاقات ذات الطابع شبه القمعي والاصولي في تعامل اعضائه مع من هم خارج التنظيمات, وخاصة مع المثقفين والكتاب والمبدعين والعاملين في حقل الثقافة بشكل عام , مما دفع المثقفين الى الابتعاد عن المساهمة في الجهد الانتخابي وربما حتى في المشاركة في الانتخابات , والافتقار الى خطاب ينجح في (تعديل) ايديولوجيا اليسار وما تبقى من ايديولجياته باتجاه جعلها ذات صبغة عراقية قادرة على التلاؤم مع الوضع العراقي ومع النظام السياسي العراقي المهيمن , وبشكل يجعلها خطابا بسيطا مقبولا شعبيا باتجاه ان يشعر فقراء العراق ومسحوقوه ان اليسار اضافة لكونه ممثلهم الطبقي , فهو ممثلهم الاجتماعي والاهم ممثلهم السياسي , وان يقنع العراقيين ان المعركة هنا في الأرض , وبالتالي فهي ليست من اختصاص رجال الدين . يقول مرشح رياضيٌّ خاسرٌ : يتلاقفونها تلاقُفَ الكرة , ما جرى في انتخابات بلدي , هو صفقةٌ بين رجالِ الدينِ السياسيّ , ورؤساءِ العشائر , والمتنفّذين في العملية السياسية , ولم تكن الوطنيةُ سوى اختراعٍ , اخترعتْه الحكومةُ كي تُحابِيَ الجنودَ مجانًا , فالوطنيةُ لنا , والوطنُ لهم , والحربُ لنا , والغنائمُ لهم , والموتُ لنا , والحياةُ لهم , ومجلس النواب لهم , والطعن والتمييز لنا , وفي بيت شعر لخاسر انتخابي : لا تشكُ للناسِ لصًّا أنتَ ناخبُه , لا ينتخبُ اللصَّ , إلا مَن به ثَوَلٌ , لقد حققت القوى المليشياوية والأحزاب الفاسدة التي تُدير النظام السياسي انتصاراً مزدوجاً سيُمكنها من إنعاش العملية السياسية المتهالكة , الانتصار الأول جاء متمثلاً بتوسيع مقاعدها في مجلس النواب , وهذا التوسع كان حليف التوجهات المتطرفة التي تمتلك ماكنات إعلامية وجيوش إلكترونية تنفق عليها ملايين الدولارات من الأموال العامة , والانتصار الثاني وهو الأهم كان في زيادة المشاركة الشعبية التي تحوم حولها شبهة تلاعب وتزوير وإضافة لملايين الأصوات في الساعات الأخيرة من اليوم الانتخابي , وهذا الانتصار الموبوء بشراء الذمم أكثر ما هو مثير فيه هو أنه يُعد تحدياً مستمراً للتيار الوطني والقوى المدنية . إن المدينة المتحضرة لا تُعرف بانتخاباتها فحسب , وانما بخدماتهاوبصحتها وبتعليمها , وبنظافتها وبكرامة إنسانها , ونحن نخطئ حين نعبد الطقس وننسى الإله , نقدّس الصندوق وننسى العدالة , إن الشرعية الحقيقية لا تكتسب من صناديق يعلوها الهذيان وتتحكم بها سطوة المال السياسي , بل تنبع من نظام يقدر مواطنيه , يعاملهم بعدالة , ويوزع عليهم ثروات الوطن بالمساواة , لا كغنائم تُمنح للأتباع والمناصرين , أذن ماذا جرى وسيجري في العراق ؟ ألعراق للاسف ساحة مشتتة فيها كل شيء إلا الادب والاخلاق والقيم والعدالة , هدف الجميع المسؤوليين الاحزاب والمليشيات والكتل المتحاصصة والبرلمان والحكومة فيه سرقة الناس عبر مخصصات ورواتب الوزراء و النواب والمدراء ومحافظي ومستشاري الحكومة والبرلمان , والمشكلة ان الناس يكرهون الحكمة والمعرفة ايضا بسبب ثقافة الاحزاب الحاكمة والتربية والتعليم بينما الله تعالى يقول : ما خلقت الجن والإنس إلا ليعرفون , يعني هدف الحياة هي المعرفة , المهم أن الاستنتاج من نتائج هذه الانتخابات ان فكرة بناء دولة مدنية لا زالت بعيدة عن ذهن العراقيين .

إرسال تعليق