مَقَامَةُ حِفْظِ السِّرِّ بَيْنَ الْأَمَانَةِ وَالْحِكْمَةِ

مشاهدات

صباح الزهيري


قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ : بَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ مَسَاءٍ فِي مَجْلِسٍ مِنَ الْمَجَالِسِ , تَدُورُ فِيهِ الْأَحَادِيثُ دَوْرَ النَّفَسِ , وَتُعْرَضُ فِيهِ الْحِكَمُ عَرْضَ النَّفَائِسِ , إِذْ بِنَا نَلْمَحُ شَخْصًا قَدْ مَسَّتْهُ الْخُطُوبُ مَسّاً , وَلَا يَبْغِي مِنْ دُنْيَاهُ إِلَّا كِتْمَانَ السِّرِّ وَحِفْظَ الْأَمَانَةِ قَسّاً , فَدَنَوْتُ مِنْهُ بَلَا كَسَلٍ , وَهُمْهَمْتُ لَهُ بِكَلِمَاتٍ تَنْقُشُ عَلَى الصَّخْرِ بِلَا مَلَلٍ , فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا أَبَا الْفَتْحِ الْإِسْكَنْدَرِيَّ , ذَاكَ الشَّيْخَ الْأَرِيبَ , وَالْحَبْرَ الْكَثِيرَ التَّجْرِيبِ , فَقُلْتُ لَهُ :


مَا لِي أَرَاكَ لَا تَأْمَنُ النَّاسَ عَلَى بَيْتٍ وَلَا دِرْهَمَا , وَتَرَى أَنْفُسَهُمْ أَشَدَّ ضَرَرًا وَأَعْظَمَ مَغْرَمَا ؟ فَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ , وَقَالَ قَوْلًا أَنْسَانِي الْهَمَّ وَالْعَنَاءَ :


يَا أَخِي , أُمَنَاءُ الْأَسْرَارِ أَقَلُّ وُجُودًا مِنْ أُمَنَاءِ الْأَمْوَالِ , وَحِفْظُ الْأَمْوَالِ أَيْسَرُ مِنْ كِتْمَانِ الْأَسْرَارِ فِي كُلِّ حَالٍ , لِأَنَّ أَحْرَازَ الْأَمْوَالِ مَنِيعَةٌ بِالْأَبْوَابِ وَالْأَقْفَالِ , وَأَحْرَازُ الْأَسْرَارِ بَارِزَةٌ يَذِيعُهَا لِسَانٌ نَاطِقٌ , وَيُشِيعُهَا كَلَامٌ سَابِقٌ , وَمِنْ عَجَائِبِ الْأُمُورِ أَنَّ الْأَمْوَالَ كُلَّمَا كَثُرَتْ خُزَّانُهَا كَانَتْ أَوْثَقَ لَهَا , أَمَّا الْأَسْرَارُ فَكُلَّمَا كَثُرَتْ خُزَّانُهَا كَانَتْ أَضْيَعَ لَهَا, فَالْوَاجِبُ كَتْمَانُ سِرِّ النَّفْسِ أَوَّلًا , فَسِرُّكَ أَسِيرُكَ مَا لَمْ يُقَلْ , فَإِنْ تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ أَنْتَ لَهُ أَسِيرَا , كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ –رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَوْلًا مُسْتَنِيرًا.


كتمان سر النفس (الوقاية الشخصية ) , تقسيم حفظ السر:

حفظ اللسان عن إفشاء السر وهو ينقسم إلى قسمين:

إفشاء سر النفس ,

وإفشاء سر الغير ,


وكلاهما مذموم , والأول أهون من الثاني , ومن وصية الحكيم لابنه : يا بني كن جوادًا بالمال في موضع الحق , ضنينًا بالأسرار عن جميع الخلق , فإن أحمد جود المرء الإنفاق في وجه البر, والبخل بمكتوم السر, وان إفشاء سر المسلم خطر وشديد , لأنه أمانة وإفشاؤه خيانة , والخيانة من علامات المنافق , فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :


آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ : إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ , وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ , وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ,


وقال العباس لابنه عبدالله: إني أرى هذا الرجل يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدمك على الأشياخ , فاحفظ عني خمسًا:


لا تفشين له سرًّا , ولا تغتبن عنده أحدًا , ولا تجرين عليه كذبًا , ولا تعصين له أمرًا , ولا يطلعن منك على خيانة, قال الشعبي: كل كلمة من هذه الخمس خير لي من ألف.


وفي محاسن الكاتمين وشواهد الحكمة عن مراتب أخلاق الشريف , قول المهلب : أدنى أخلاق الشريف كتمان السر, وأعلى أخلاقه نسيان ما أسر إليه , وقال بعضهم : ومستودعي سرًا تضمنت سِرَّه فأودعته من مُسْتَقَر الحشا قبرًا , ولكنني أُخفيه عني كأنني من الدهر يومًا ما أحطتُ به خُبرًا , وما السرُّ في قلبي كميت بحفرةٍ لأني أرى المدفون ينتظر النشـرا , وقال شمس الدين البدوي :


إني كتمت حديث ليلى لم أبح يومًا بظاهـره ولا بخفيه , وحفظت عهد ودادها متمسكًا في حبها برشاده أو غيه . ولها سرائر في الضمير طويتها نسي الضمير بأنها في طيه .


ضوابط إفشاء السر ( الاستثناءات) : قصة الوليد بن عتبة وأبيه عدم تدليل اللسان


يُروى أن معاوية أسر إلى الوليد بن عتبة حديثًا , فقال أبوه :


لا تحدثني به يا بني , فإن من كتم سره كان الخيار إليه , ومن أفشاه كان الخيار عليه , ولكن أحب ألا تدلل لسانك بأحاديث السر , قال الوليد : فأتيت معاوية فأخبرته , فقال : يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطأ , ولقد أجاز بعض العلماء إفشاء سر الرجل بعد موته , ذكر قصة سر النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها بعد وفاته , والحق إن إفشاء سر الرجل بعد موته فيه تفصيل , فأحيانًا يكون مباحًا وقد يُستحب ذكره , ولو كرهه صاحب السر, كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة , وأحيانًا يجب كحق عليه تعذَّر القيام به , فيذكره لمن يتسنى له القيام به , وأحيانًا يُكرَهُ وقد يَحْرُمُ , مثل ما كان به ضرر بصاحب السر , أو بعشيرته من بعده . فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو الْفَتْحِ مِنْ مَقَامَتِهِ الْغَرَّاءِ , وَجَادَ بِمَا فِي صَدْرِهِ مِنْ عِلْمٍ سَوَاءَ , هَبَطَ عَلَى الْقُلُوبِ بَرْدُ الْيَقِينِ , وَعَلِمَ الْجَمِيعُ أَنَّ الْقَوْلَ الْحَقَّ مَتِينٌ , ثُمَّ سَكَتَ سَكْتَةَ الْمُدْرِكِ الْفَطِينِ , وَقَالَ : فَاحْفَظُوا أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ هَذِهِ الْوَصَايَا وَالْآدَابَ , وَاجْعَلُوا أَلْسِنَتَكُمْ عَلَى أَسْرَارِ إِخْوَانِكُمْ حِرَابًا وَأَبْوَابًا , وَاسْتَوْدِعُوا السِّرَّ قَبْرًا لَا يُنْبَشُ , وَلَا تَدَعُوا أَحَدًا بِمَا بَاحَ لَكُمْ يَعْتَرِشُ , فَإِنْ كَتَمَ الْوَلِيدُ سِرَّ مُعَاوِيَةَ , فَلْيَكُنْ لَكَ فِي ذَلِكَ أُسْوَةٌ شَافِيَةٌ , وَإِيَّاكُمْ وَإِفْشَاءَ مَا يُضِرُّ بِصَاحِبِهِ حَيًّا كَانَ أَوْ هَالِكَا , فَهِيَ مِنْ سُوءِ الصَّنِيعَةِ وَشَرِّ الْمَهَالِكَا , وَاذْكُرُوا دَوْمًا : أَنَّ أَدْنَى أَخْلَاقِ الشَّرِيفِ كِتْمَانُ السِّرِّ, وَأَعْلَى أَخْلَاقِهِ نِسْيَانُ مَا أُسِرَّ إِلَيْهِ , ثُمَّ قَامَ أَبُو الْفَتْحِ الْإِسْكَنْدَرِيُّ وَانْصَرَفَ , وَخَلَّفَنِي فِي الْأَمْرِ بَيْنَ حِكْمَةٍ وَشَرَفٍ , وَقَدْ تَلَقَّفْتُ أَنَا , عِيسَى بْنُ هِشَامٍ , مَقَامَتَهُ هَذِهِ تَلَقُّفًا , رَاجِيًا لِمَنْ قَرَأَهَا أَنْ يَكُونَ بِالْخَيْرِ مُلْتَفّاً , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.


تعليقات

أحدث أقدم