الحقيقة بين الضوء وظلّ الانكسار .

مشاهدات

 


محمود الجاف

في عالمٍ يتكاثر فيه الوميض أكثر من البصائر، نظن أن الحقيقة تسكن في ما يلمع، وأن الفهم يُمنحُ لمن يلاحق الضوء . لكن شيئًا في عمق الوجود يهمس بأن الوضوح ليس دائمًا طريقًا إلى المعرفة؛ وأن الظلال، بما تخفيه وتلمّح إليه، قد تكون أصدق من السطوع . فالحقيقة لا تأتي مباشرة، بل تتكشّف لمن يصغي إلى ما بعد الأشياء، إلى ارتداد أثرها لا إلى حضورها الأول .

ليس كل ما يسطع يُرشد؛ فهناك لحظات لا ترى فيها الحقيقة إلا وهي تتسلل من بين الشقوق، لا من بين الأشعة . فالضوء صاخب، والظل هادئ، والهدوء وحده قادر على فضح ما تتظاهر الأشياء بإخفائه حين تتقن ثباتها . نحن لا ننتبه للرصاصة الأولى إلا لأنها صفعت سكوننا، أما الثانية، الثانية فقط، فهي التي تعترف بمصدرها؛ كأن الفعل يحتاج إلى شاهدٍ آخر كي يثبت نسبه . وهكذا نعيش . ليس على الحدث، بل على ارتداده؛ ولا على الواقع كما هو، بل على أثره حين يبتعد .

فنحن أبناء الارتداد، ولسنا أبناء الحدث .

أحيانًا نمسك بورقة تبدو عادية، فنشعل النار فيها كمن يتخلّص من عبءٍ بسيط . لكن النار في صمتها لا تخبرك عمّا ضاع؛ لا تقول لك إن تلك الورقة كانت تحمل سرًّا، أو خريطةً لإنسانٍ كنت ستكتشفه لو أنك تريّثت، أو إنذارًا كان سيوقفك على باب هاويةٍ تراها اليوم طريقًا آمنًا .

النار لا تكشف .. النار تمحو .

والحياة ليست دائمًا كريمة لدرجة أن تردّ لك ما محوتَ بلا انتباه . لهذا أخشى من القرارات التي لا رجعة فيها؛ ليس خوفًا من الندم، بل خشية أن أكون قد أحرقتُ الدليل الوحيد الذي كان سيكشف لي ما يجب أن أعرفه منذ البداية . فالوجود ليس سلسلة أحداثٍ واضحة، بل شبكة ظلال، وارتعاشات، وصدى خطوات لم نسمعها في وقتها المناسب .

انا أؤمن اليوم أن الحقيقة لا تأتي من الضوء، بل من انكساره؛ ولا من الصوت، بل من ارتداد صداه؛ ولا من الورقة، بل من الفراغ الذي تتركه حين تختفي . فالحكمة ليست أن نرى فقط . بل أن نفهم ما لم نتمكن من رؤيته . لاننا لا ننضج حين تتضح الأشياء، بل حين ندرك مقدار ما غاب عنها . فالحقيقة لا تُمسك باليد، بل تُلتقط بالبصيرة؛ وهي لا تقوم على حضورٍ يُرى، بل على غيابٍ يفسّر . وما بين ضوءٍ يتقدّم وظلٍّ يتقهقر، لا نعثر على الحقيقة كما هي، بل كما تنعكس فينا. فليس المهم أن نرى الطريق، بل أن نُبصر ما خبأ لنا في الطريق . وحين نفهم أثر الغياب أكثر مما نفهم حضور الأشياء، ندرك أخيرًا أن الحكمة ليست في العين، بل في البصيرة التي تتّسع لما يفلت منها .

تعليقات

أحدث أقدم