انتخبوني…

مشاهدات


سحر النّصراوي


انتخبوني ،لا بوصفه طلباً للسّلطان، بل اعترافاً بأنّ فيّ بقيّة نارٍ لم ينطفئ لها جمر. نارٌ اندلعت من الصّمتكما تندلع الحمم من فوهة بركان . انتخبوني لأنّني أحملٌ في دمي خارطة وطنٍ أوسع , وطن وسعُه السّماء وطن لا تتكسّرُ الأحلام المتلاطمةُ على شواطئه بل تغدو سفنا  زوارق تبحر و تطوي البحر في غير خوف . انتخبوني لكي تصير الهجرة خيارًا و العودةُ قرارًا .


اختاروني وسأدلّكم على معين ذهبٍ لا ينضب وليس ثروةٍ تُنحر على مذابح الريع، وأحلامٍ تُسحق تحت وطأة الإدارات العمياء. كفكفوا دموعي واوقفوا نزيفاً، يحمل في جوفه نبوءة النهوض، إذ لا تنهض الأمم من وفرةٍ بل من كربٍ يُعيد صقل جوهرها، ومن عدالةٍ تُبنى لا بالشعارات بل بهندسةٍ دقيقة لتوزيع القوّة والمال والمعرفة. قفوا صفًّا واحدًا ومجّدوني ولا تهبوني قربانًا للهباء . اجعلوني الأولويّة والقبلة واختاروا لي عقلا مُدرَّبا على العمل في صمت لا على التهافت والرّياء . أؤمن إيمان من ذاق مرارة الانقسام أنّ الوحدة ليست زخرفاً خطابياً ولا ترفًا.


التفّوا حولي ولا تسمحوا للاختلاف أن يُبعدكم عنّي ، اختاروني أوّلاً وأخيرًا ولن أفرّط في أيٍّ منكم ، شرطُ  وجود أن تتذكّر البلاد أنّ أبناءها، مهما تنافروا، خيطٌ واحد ممتدّ من صمت الفلاّح إلى وجيب المدينة، ومن ظلال الجنوب إلى غبار المرافئ . وأنّ الحرية ليست جميلاً ، بل الهواء الذي تتنفس من خلاله المعرفة، فلا اقتصاد ينهض بلا نقد، ولا إبداع يولد تحت سقف منخفض، والثّورة التي أدعو إليها ليست هديراً في الشّوارع ، بل ثورة وعي، ثورة قلب، ثورة قراءة جديدة للعالم، انقلابٌ على البَلادة ، عودةٌ إلى ما هو جوهري في الإنسان حين يرفض أن تٌختزل قدراته وإمكانيّتهٌ.   فانتخبوني إذن، لا في الصّناديق،  أو عن طريق صنّاع الأكاذيب ، بل في ضمائركم ، في غضبكم المقموع، في يقظتكم حين يخونكم النوم . انتخبوا تونس التي طال انحناؤها  لكي تنهض وتٌبعث من رمادها , فتشتعل النّيرانُ في قلبها من جديد وبأيدينا... لا لتٌحرقنا , لكي تُضيء دُروبنا. 



تعليقات

أحدث أقدم