صباح الزهيري
ما أصعب مرارة الأفول وسكين الذاكرة , عندما يجلس الإنسان فوق قمة عمر يسعى نحو الزوال , يأخذ تعامله مع الذكريات حيّزاً أوسع , لقد بات من عاداتي اليومية السير ساعة أو أكثر , وهي آخر رياضة يسمح بها للشيوخ بعد أن يودعوا الشباب والكهولة , وبعدما تتوالى أوامر الأطباء وتحذيراتهم من القلوب المكدودة , وأثناء المشي , تومض الذاكرة بنفحات مما مضى , لأطل بهذه أو تلك على السيرة ثم لأعود مرة أخرى إلى الكهف العتيق , أحداث بعضها قريب وبعضها يبعد عنا بأربعين عاماً كاملة , يطاوعني القلم حيناً , ويخذلني حيناً آخر , كأن هناك معركة بين العقل والقلب.
يطاردني الشعور بالشيخوخة رغم إرادتي وبغير دعوة , لا أدري كيف أتناسى دنوّ النهاية وهيمنة الوداع , وإنما أقدم تحيةً للعمر الطويل الذي أمضيته في الأمان والغبطة , تحية لمتعة الحياة في بحر الحنان والنمو والمعرفة , شديد وقاسٍ هو إحساس أن العُمر مر, وأننا فجأة كبرنا , زادت مسؤولياتنا وتغيّرت أولوياتنا , بقينا نحتفظ بحزننا داخلنا , نبكي ونعاني في صمت , نتظاهر بالقوة والسعادة في عز ضعفنا , ورغم ذلك لا زال داخلنا ذلك الطفل الذي يريد أن يعيش حياته. وعن السبعينات الذهبية للقرن الماضي ومولد الوعي , كنا قد عشنا حياة ثقافية ثرّة غنية فيها , وكانت تلك الفترة تمثل عصراً ذهبياً في تأريخ العراق المعاصر, كان قد تم قبولي عام 1969 في جامعة بغداد قسم العلوم السياسية , وهي صدفة غيّرت مجرى حياتي , ولم يغب عنّا فضل قرار مجانية التعليم على أبناء جيلنا كله , كانت الكلية تعج بالحياة , تعرفت على طلاب وطالبات من طبقات اجتماعية مختلفة وذوي اتجاهات فلسفية وسياسية متباينة , من المثالية إلى المادية فالوجودية , شيوعيون , بعثيون , قوميون , عبثيون , كانت الأحاديث والنقاشات تحتدم حين يدور الموضوع حول السياسة , وفي هذا الوسط بدأت بالتعرف على عالمٍ جديد كان غائباً عني , مرحلة غنية أثْرت وأثرت على حياتي فيما بعد. انغمست في عالم الأدب , فكنت أذهب مع الأصدقاء لمشاهدة المعارض التشكيلية وحضور الندوات والقراءات الشعرية التي عرّفتني على شعراء لا علاقة لهم بالعصر الجاهلي أو العباسي , شعراء ينتمون إلى الشعر الحر مثل : بدر شاكر السياب , ومظفر النواب , وسعدي يوسف , وعبد الوهاب البياتي , عام 1969 التقيت مظفر النواب في حفلة عرس , وأعجبني ذلك الهدوء العجيب الذي يتسم به سعدي يوسف وهو يلقي قصيدته , كانت كلماته تصلني هادئة شفافة مثيرة للتساؤل , واكتظّت مكتبتي بكتب الفلسفة والشعر والروايات , ولعل أبرز ما لاحظته عن تجارب هؤلاء الأدباء أنهم يذهبون في كتاباتهم إلى آخر حدود الأسلاك الشائكة , غير أنهم يتجنبون الاصطدام بالألغام , لذلك عرف بعضهم السجون وآخرون اكتفوا بالنقل والفصل.
كانت الأعوام والعمل في السفارات والدوائر السياسية في الخارجية قد أنضجت أسلوبي , كما بلورت الحوارات والصداقات والقراءات نظرتي للأدب وطبيعته ووظيفته , كنت قادراً على اكتساب الجميع , من كل القيادات والمدارس بلا استثناء , وأُطلق آرائي دون تحفظ أو مجاملة , كانت المناقشة والآراء تثري العقل والوجدان , كما ان صالون الدكتور تحسين (تحية لروحه الملهمة ورأيه المقتحم) كل يوم جمعة , قد فتح لي نافذة على التأريخ والأدب الإسلامي والغربي معاً , كنت في حاجة لمن أبثه ذلك الفيض من الأحاسيس والأحداث التي حملتها بين جوانحي , ومع حرارة المناقشة واحتدام الجدل , كان الجميع ملتزمين بحدود لا يتعداها أحد , ومع تعمّق الوعي , أخذت تتبخّر النظرة التقديسية إلى حد المعصومية , فانتقلت من اليقينية التبشيرية إلى التساؤلية العقلانية النقدية, هذا التحول أتى نتيجة انخفاض منسوب الحمولة الآيديولوجية , والابتعاد عن منظومة الدعاية المضلّلة , التي كانت تُضخّ إلينا , ناهيك عن الجهل بالكثير من الحقائق والمعطيات الصادمة. فتحت لي القراءة باباً يطل على عالم من الخيال بدا وكأنه عالمي المفضل , انه الإيمان بالتفاصيل وفلسفة العيش , لقد كان قدري أن تقودني القراءة إلى الكتابة دون وعي مني أو إرادة , حتى إذا ما نضجت العادة واشتد ساعدها , راحت تزهر حباً بلا نهاية للكتب والكتّاب , وآمنت بالفلسفة التي تقول إن من لا يعيش حياته لا يستحقها , وأضحيت لا أحب هؤلاء السُذّج الذين يتخرجون بمعدلات عالية وتخصصات علمية مهمة , لكنهم لا يسمعون الموسيقى , ولا يعرفون شاعراً واحداً , ولا يحاولون كتابة قصيدة أو رسم لوحة , ولا أفهم هؤلاء الناس الذين بلا طقوس شخصية , بلا عادات , بلا تفاصيل , لا يهتمون بألوان الأزرار, ولا خشب المقاعد , ويرضون بأي سائل ساخن أحمر فلا يتوقفون عند نوع الشاي. الحياة في التفاصيل , في الأحاسيس , في الذائقة , في معنى أن تهز رأسك حزناً أو فرحاً أو طرباً لمقطع من أغنية قديمة , أو أن تنفعل برائحة الياسمين تهب من شارع عتيق يطل على بستان مزوي على نهر خريسان , ان جمال الطبيعة , وشيوع الخيرات , وسريان البهجة والطمأنينة , كلها عناوين لتلك الأيام التي لن تعود , فنستذكر أولئك الذين رحلوا وكان وجودهم سر جمالية الأمكنة , الذين عاشوا على حب الناس وتحلوا بالوفاء والطيبة والنوايا غير المغشوشة , والذين لا نرى نظيرهم في زمان التعاسة الذي نعيشه.

إرسال تعليق