مشاهدات
مدخل.. ازدواجية الخطاب وتيهُ البوصلة
في مشهدٍ يختزل مأساة النظام الإيراني أحيا قادة طهران هذا الأسبوع ذكرى اقتحام السفارة الأمريكية عام 1979... ذلك الحدث ما زال يُقدَّم في الخطاب الرسمي كـانتصارٍ للثورة ورمزٍ لمواجهة ما يسمونه هم بالاستكبار العالمي في وقتٍ يتسابق فيه ذات النظام لفتح قنوات خلفية للتفاوض مع واشنطن والغرب المهادن... إنه تناقض يشي بحالة فقدانٍ عميقٍ للبوصلة؛ نظامٌ يرفع شعار المقاومة في العلن ويتسوّل الاعتراف والإنقاذ الاقتصادي من ذات القوى التي يصفها بالعدوّ في السرّ أو المناورة.
الأمس الثوري والواقع المتصدّع
لم يعد النظام الإيراني اليوم ذلك الكيان الممسك بخيوط المشهد الإقليمي كما كان قبل عقدٍ أو عقدين.. فبينما كان يتباهى بتوسيع نفوذه عبر أذرع عسكرية في العراق ولبنان واليمن وسوريا؛ تكشّفت حدود قوّته الفعلية أمام أزمات داخلية خانقة، وانتفاضات شعبية متكررة، وانكشافٍ متزايد لعزلة النظام على الصعيد الدولي.. فالشعارات التي كانت تملأ الشوارع عن الموت لأمريكا والنصر لفلسطين لم تعد تجد صدى لدى جيلٍ إيراني جديد يبحث عن حياةٍ كريمة لا عن معارك أيديولوجية... ولقد بات هذا الجيل يرى في الملالي عقبة أمام مستقبله وفي خطاب الثورة عبئًا يبرّر القمع والفقر باسم الدين والمقاومة.
هوس السيطرة... وانهيار الداخل
ما يزال هاجس البقاء والسيطرة يهيمن على عقل النظام الإيراني الذي يرى في تصدير الأزمات وسيلة لتأجيل انفجاره الداخلي؛ لكنه يتغافل أن الاحتقان الشعبي بلغ حدّ الانفجار.. فالبطالة تتفاقم، والتضخّم تجاوز 40% في بعض التقديرات، والعقوبات تخنق مفاصل الاقتصاد بينما تتضاعف ميزانية الحرس الثوري وتمويل الميليشيات الخارجية . إن هوس السيطرة لم يعد يقتصر على الجغرافيا بل امتدّ إلى المجتمع ذاته؛ فالنظام يسعى إلى إعادة قولبة المجتمع الإيراني تحت وصايته الفكرية عبر سياسات قمعية تطال النساء، والمثقفين وطلاب الجامعات.. لكن القهر المتراكم لم ينجح إلا في زيادة الهوّة بين الشعب والسلطة، وبين الواقع وشعاراته المتهالكة .
التفاوض بين الرغبة والمهانة
في الوقت الذي يرفع فيه النظام شعارات الثبات على المبادئ، يرسل رسائل استجداءٍ دبلوماسية إلى الغرب باحثًا عن أي نافذة تخفّف من وطأة أزماته.. فطهران تعلم أن استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي قد يعجّل بانفجارٍ داخلي يهدد وجودها ذاته لذا تحاول أن تُظهر نفسها كطرفٍ قابل للتفاهم، في حين أن خطابها الإعلامي يُبقي على لهجة العداء الموروثة من زمن الثورة ..وتتبدّى المفارقة في أن النظام نفسه الذي يحيي يوم مقارعة الاستكبار يرسل إشارات عبر وسطاء للعودة إلى طاولة مفاوضات النووية واضعًا شروطًا أقلّ من أي وقتٍ مضى... إنها سياسة الملالي المألوفة : " ; الصراخ في الميدان والهمس في الكواليس" .
الولايات المتحدة والغرب... المهادنة والرهان الخاطئ
من جانبٍ آخر يبدو أن بعض دوائر الغرب ما زالت تراهن على إصلاحٍ من الداخل في إيران، أو على إمكانية إعادة النظام إلى سلوكٍ عقلاني عبر الإغراءات الاقتصادية كي يبقى حامياً لمصالح الغرب متماشياً مع مخططاته التي لم يُخل بها منذ أن أتى الغرب بالملالي إلى سدة الحكم .. غير أن هذا الرهان أثبت فشله مرارًا ذلك لأن النظام القائم في طهران ليس نظام مصالحٍ براغماتي بالمعنى الغربي بل منظومة أيديولوجية تعتبر أي تراجعٍ أمام الخارج اليوم مساسًا بقدسيتها الداخلية، ولعلّ أخطر ما يُكرّسه الغرب المهادن اليوم هو منحه هذا النظام شرعيةً سياسية غير مستحقّة في وقتٍ يتعرّض فيه الشعب الإيراني لأبشع أنواع القمع، وتُغلق السجون على المعارضين، وتُحاكم النساء على حجابهنّ؛ بينما تُنفق المليارات على مشاريع توسعية في الخارج.
نظام في عزلة متزايدة
الواقع اليوم.. أنّ إيران اليوم أكثر عزلةً من أي وقتٍ مضى، والعالم العربي بدأ يضيق ذرعًا بسياساتها التخريبية، والعالم الإسلامي لم يعد يرى فيها إلا مشروعًا طائفيًا يهدد وحدة المنطقة.. بينما ينظر المجتمع الدولي إليها كقنبلةٍ نووية مؤجّلة تتحدى النظام العالمي.. حتى حلفاؤها التقليديون باتوا ينظرون إلى طهران بقلقٍ حذر بعد أن تحوّل سلوكها إلى عبءٍ أمني واقتصادي وسياسي.
نهاية مرحلة.. وبداية ارتباك
إن نظام الملالي الذي بَنى شرعيته على معاداة الغرب ورفع راية الثورة، يجد نفسه اليوم في مأزقٍ تاريخي.. فلا هو قادر على مواجهة الخارج، ولا هو قادر على إقناع الداخل بشرعيته.. لقد فقد هذا النظام الفاشي البوصلة التي كانت في زمنٍ ما تبرّر له تناقضاته تحت ستار شهارالثورة المستمرة.. وباتت شعاراته اليوم جوفاءلا تُقنع حتى المقرّبين منه ، ويزداد الانقسام داخل دوائر السلطة نفسها بين جناحٍ يريد التسوية وأجنحةٍ تخشى من أن أي انفتاح يزيح الستار عن ضعف النظام ويفضحه أمام شعبه.
ملالي إيران بين الهوس والانهيار
في ضوء كل ما سبق يبدو أن الملالي يعيشون مرحلةً انتقالية خطرة تتأرجح بين هوس السيطرة وبؤس الواقع؛ فكلما رفعوا الصوت ضدّ الاستكبار ازداد اعتمادهم على التفاهمات الخفية مع الغرب.. وكلما تحدّثوا عن الكرامة الوطنية ازدادت عزلتهم وازداد خضوعهم للعقوبات.. لقد انكشفت اللعبة: نظامٌ فقد مشروعيته، وشعبٌ يتهيأ لزمنٍ جديد، وإقليمٌ لم يعد يحتمل مزيدًا من الفوضى الإيرانية. إنّ من يتأمل المشهد يدرك أن طهران لم تعد تمسك بخيوط اللعبة كما كانت تظن، وأن بقاء النظام بات مرهونًا فقط بقدرته على تأجيل السقوط لا بمنع وقوعه.
خلاصة القول..
د. سامي خاطر
أكاديمي وأستاذ جامعي
مدخل.. ازدواجية الخطاب وتيهُ البوصلة
في مشهدٍ يختزل مأساة النظام الإيراني أحيا قادة طهران هذا الأسبوع ذكرى اقتحام السفارة الأمريكية عام 1979... ذلك الحدث ما زال يُقدَّم في الخطاب الرسمي كـانتصارٍ للثورة ورمزٍ لمواجهة ما يسمونه هم بالاستكبار العالمي في وقتٍ يتسابق فيه ذات النظام لفتح قنوات خلفية للتفاوض مع واشنطن والغرب المهادن... إنه تناقض يشي بحالة فقدانٍ عميقٍ للبوصلة؛ نظامٌ يرفع شعار المقاومة في العلن ويتسوّل الاعتراف والإنقاذ الاقتصادي من ذات القوى التي يصفها بالعدوّ في السرّ أو المناورة.
الأمس الثوري والواقع المتصدّع
لم يعد النظام الإيراني اليوم ذلك الكيان الممسك بخيوط المشهد الإقليمي كما كان قبل عقدٍ أو عقدين.. فبينما كان يتباهى بتوسيع نفوذه عبر أذرع عسكرية في العراق ولبنان واليمن وسوريا؛ تكشّفت حدود قوّته الفعلية أمام أزمات داخلية خانقة، وانتفاضات شعبية متكررة، وانكشافٍ متزايد لعزلة النظام على الصعيد الدولي.. فالشعارات التي كانت تملأ الشوارع عن الموت لأمريكا والنصر لفلسطين لم تعد تجد صدى لدى جيلٍ إيراني جديد يبحث عن حياةٍ كريمة لا عن معارك أيديولوجية... ولقد بات هذا الجيل يرى في الملالي عقبة أمام مستقبله وفي خطاب الثورة عبئًا يبرّر القمع والفقر باسم الدين والمقاومة.
هوس السيطرة... وانهيار الداخل
ما يزال هاجس البقاء والسيطرة يهيمن على عقل النظام الإيراني الذي يرى في تصدير الأزمات وسيلة لتأجيل انفجاره الداخلي؛ لكنه يتغافل أن الاحتقان الشعبي بلغ حدّ الانفجار.. فالبطالة تتفاقم، والتضخّم تجاوز 40% في بعض التقديرات، والعقوبات تخنق مفاصل الاقتصاد بينما تتضاعف ميزانية الحرس الثوري وتمويل الميليشيات الخارجية . إن هوس السيطرة لم يعد يقتصر على الجغرافيا بل امتدّ إلى المجتمع ذاته؛ فالنظام يسعى إلى إعادة قولبة المجتمع الإيراني تحت وصايته الفكرية عبر سياسات قمعية تطال النساء، والمثقفين وطلاب الجامعات.. لكن القهر المتراكم لم ينجح إلا في زيادة الهوّة بين الشعب والسلطة، وبين الواقع وشعاراته المتهالكة .
التفاوض بين الرغبة والمهانة
في الوقت الذي يرفع فيه النظام شعارات الثبات على المبادئ، يرسل رسائل استجداءٍ دبلوماسية إلى الغرب باحثًا عن أي نافذة تخفّف من وطأة أزماته.. فطهران تعلم أن استمرار الضغط الاقتصادي والسياسي قد يعجّل بانفجارٍ داخلي يهدد وجودها ذاته لذا تحاول أن تُظهر نفسها كطرفٍ قابل للتفاهم، في حين أن خطابها الإعلامي يُبقي على لهجة العداء الموروثة من زمن الثورة ..وتتبدّى المفارقة في أن النظام نفسه الذي يحيي يوم مقارعة الاستكبار يرسل إشارات عبر وسطاء للعودة إلى طاولة مفاوضات النووية واضعًا شروطًا أقلّ من أي وقتٍ مضى... إنها سياسة الملالي المألوفة : " ; الصراخ في الميدان والهمس في الكواليس" .
الولايات المتحدة والغرب... المهادنة والرهان الخاطئ
من جانبٍ آخر يبدو أن بعض دوائر الغرب ما زالت تراهن على إصلاحٍ من الداخل في إيران، أو على إمكانية إعادة النظام إلى سلوكٍ عقلاني عبر الإغراءات الاقتصادية كي يبقى حامياً لمصالح الغرب متماشياً مع مخططاته التي لم يُخل بها منذ أن أتى الغرب بالملالي إلى سدة الحكم .. غير أن هذا الرهان أثبت فشله مرارًا ذلك لأن النظام القائم في طهران ليس نظام مصالحٍ براغماتي بالمعنى الغربي بل منظومة أيديولوجية تعتبر أي تراجعٍ أمام الخارج اليوم مساسًا بقدسيتها الداخلية، ولعلّ أخطر ما يُكرّسه الغرب المهادن اليوم هو منحه هذا النظام شرعيةً سياسية غير مستحقّة في وقتٍ يتعرّض فيه الشعب الإيراني لأبشع أنواع القمع، وتُغلق السجون على المعارضين، وتُحاكم النساء على حجابهنّ؛ بينما تُنفق المليارات على مشاريع توسعية في الخارج.
نظام في عزلة متزايدة
الواقع اليوم.. أنّ إيران اليوم أكثر عزلةً من أي وقتٍ مضى، والعالم العربي بدأ يضيق ذرعًا بسياساتها التخريبية، والعالم الإسلامي لم يعد يرى فيها إلا مشروعًا طائفيًا يهدد وحدة المنطقة.. بينما ينظر المجتمع الدولي إليها كقنبلةٍ نووية مؤجّلة تتحدى النظام العالمي.. حتى حلفاؤها التقليديون باتوا ينظرون إلى طهران بقلقٍ حذر بعد أن تحوّل سلوكها إلى عبءٍ أمني واقتصادي وسياسي.
نهاية مرحلة.. وبداية ارتباك
إن نظام الملالي الذي بَنى شرعيته على معاداة الغرب ورفع راية الثورة، يجد نفسه اليوم في مأزقٍ تاريخي.. فلا هو قادر على مواجهة الخارج، ولا هو قادر على إقناع الداخل بشرعيته.. لقد فقد هذا النظام الفاشي البوصلة التي كانت في زمنٍ ما تبرّر له تناقضاته تحت ستار شهارالثورة المستمرة.. وباتت شعاراته اليوم جوفاءلا تُقنع حتى المقرّبين منه ، ويزداد الانقسام داخل دوائر السلطة نفسها بين جناحٍ يريد التسوية وأجنحةٍ تخشى من أن أي انفتاح يزيح الستار عن ضعف النظام ويفضحه أمام شعبه.
ملالي إيران بين الهوس والانهيار
في ضوء كل ما سبق يبدو أن الملالي يعيشون مرحلةً انتقالية خطرة تتأرجح بين هوس السيطرة وبؤس الواقع؛ فكلما رفعوا الصوت ضدّ الاستكبار ازداد اعتمادهم على التفاهمات الخفية مع الغرب.. وكلما تحدّثوا عن الكرامة الوطنية ازدادت عزلتهم وازداد خضوعهم للعقوبات.. لقد انكشفت اللعبة: نظامٌ فقد مشروعيته، وشعبٌ يتهيأ لزمنٍ جديد، وإقليمٌ لم يعد يحتمل مزيدًا من الفوضى الإيرانية. إنّ من يتأمل المشهد يدرك أن طهران لم تعد تمسك بخيوط اللعبة كما كانت تظن، وأن بقاء النظام بات مرهونًا فقط بقدرته على تأجيل السقوط لا بمنع وقوعه.
خلاصة القول..
النظام الإيراني اليوم لا يملك رؤية للمستقبل سوى التمسك بأوهام الماضي؛ إنه نظامٌ يفاوض خصومه بيدٍ مرتجفة ويقمع شعبه بالأخرى .. وبين الهوس بالسيطرة وبؤس الواقع تترنّح جمهورية الملالي على حافة التاريخ في انتظار لحظة الحساب التي طال أمدها لكنها آتية لا محالة.

إرسال تعليق