مشاهدات
سحر النّصراوي
لقد آلت البلاد اليوم إلى واقع يشي بأنّنا لسنا أمام مجرد حكومة، بل أمام ” نظام سُخروي” جديد، لا يتردّد في قمع الخصوم وتعميق الفوارق، ينتهج سياسة استبداد مختبئ وراء بريق شعارات الإنقاذ الوطني، لكن جوهرهُ مافيا سياسية تقضم ما تبقى من رصيد وطني واقتصادي وثقافي. هذا النّظام، الذي فرض نفسه منذ سنوات، أقرب ما يكون إلى مرحلة ما قبل الموت : مرحلة “العثرة الأخيرة” قبل السقوط . إنّ مسيرة 22 نوفمبر اليوم تأتي في لحظة محورية، إنّها صرخة وطن تجاه هذا الطّغيان المُنهك، لكنّها أيضًا إعلان أنّ الشرفاء من أبناء الدولة سواء في القضاء، أو السّلك الأمني، أو المجتمع المدني يجب أن ينهضوا، لأنّ ساعة النّهاية قد تقترب، لكنّ وحدتهم هي ما يصنع الفرق ويضع حدًّا لهذا المسار المتمادي .
بدايةَ باستغلال مؤسّسات الدّولة وإعادة هيكلة السّلطة.
فقد تبنّى هذا “النظام” دعنا نسمّيه سياسة “الاستبداد الرّبحي” سياسة قمع ممنهج، لإطالة عُمره . ولعلّ أخطر ما يميّزه هو استخدام الاحتجاز أو الإيقاف التعسّفي كسلاح أساسي. فقد وثّقت هيومن رايتس ووتش حالاتًا لعشرات النّاشطين والمٌعارضين المُحتجزين بتُهم تعسّفيّة حتى جانفي 2025، حيثُ كان هناك ،أكثر من 50 شخصًا، محتجزين لأسباب سياسية أو بسبب حرّية التعبير. بعضهم يواجه تهماً خطيرة تصل عقوبتها إلى الإعدام، كما في قضايا “التآمر” التي اعتمدت على اتهامات فضفاضة، وأدلّة مرتبطة بمصادر مجهولة. القمع لم يطل فقط الأفراد، بل النّسيج المدني نفسه، مُنظّمات حقوق الإنسان غير الحكوميّة تتعرض لحصار قضائي ومصرفي، وقد تم تعليق نشاط ما لا يقل عن 14 منظمة خلال الأشهر الأخيرة، بينها Amnesty International وجمعيّات وطنيّة مهمّة، بذريعة التّمويل الأجنبي أو الإضرار بالمصالح الوطنية. كما أنّ هناك محاكمات بحق مدافعين عن اللاّجئين والمهاجرين بتهم جنائية، رغم أن نشاطهم إنساني بحت . أما من حيث التشريعات، فقد تمّ ترسيخ أدوات قانونية قمعية : المرسوم 54 بشأن الجرائم المرتبطة بأنظمة المعلومات والاتصال هو مثال صارخ، حيث يُجرّم “نشر الإشاعات” أو “الأخبار الكاذبة” ويمنح السّلطات صلاحياّت واسعة لمراقبة الاتصالات وتخزينها. وقد جرى استخدامه أساسًا لتصفية بعض الخصوم السّياسيين و لمحاكمة صحفيين ونشطاء ،فوفق التّقرير ذاته، تمّ التحقيق مع أكثر من 28 شخصًا بموجبه حتى بداية 2025، ومحاكمتهم محاكمات ذات صبغة سياسيّة تذهب حدّ الانتقام أحيانًا.
القمع لا ينسحب فقط على السّياسيين، بل يمتد إلى المُثقّفين والفنّانين، والرّوح الثقافيّة التونسية التي كانت لوقت طويل جزءًا من هويّة الثورة . اليوم، نكاد لا نرى مشهدًا ثقافيًا حقيقيًا، المثقّفون المستقلّون مهمّشون، المؤسّسات الثقافية تنسحبُ من المشهد تدريجيًا، والفعاليات التي تعبّر عن الحرّية الجماعية تكاد تكون معدومة، كما لو أنّ السّلطة اختارت أن تطمئن على أنّ الصوت الثقافي لن يكون رافعة للمقاومة. إنّ هذا التّهميش التاّم للثّقافة ليس صدفة ، إنّه جزء من استراتيجية لاستبدال “روح تونس الحُرّة” بروح الاستحواذ والهيمنة. من النّاحية الاقتصادية والاجتماعية، فإنّ السياسات التي تُنتهج تكرّس الانقسام، تكاد تكون طبقة رجال الأعمال الموالين للنّظام ، نخب نافذة وقد تحوّلت إلى مافيا سياسية ، هي المستفيد الأكبر، بينما يتعمّق الفقر والبطالة عند الطّبقات الوسطى والفقيرة. الضريبة لا توزّع بالتّساوي، والتّشريعات الجبائية لا تخدم إعادة توزيع عادل، بل إعادة تركيز الثّروة في أيدي نفس المنتفعين . في الوقت نفسه، يُغيّب الدّعم الفعلي للثّقافة والتّعليم، ويُجهض أيّ مشروع وطني حقيقي للتّنمية الثّقافية والاجتماعيّة. ومن الظّواهر المقلقة جدًا أنّ بعض أنصار هذا النّظام ليسوا مجرد داعمين سياسيين بل مافيا فكريّة أيضًا، يروّجون لآفات مثل “التشيّع السياسي” أو نزعات أيديولوجية غريبة لتبرير تحالفات مشبوهة، وكل ذلك لإضفاء شرعيّة زائفة على حكمهم . إنّهم يعملون على تدمير ما تبقّى من رأس مال وطني، إنسانيًا وثقافيًا، باستخدام قوانين جبائية ومعارك هويّاتية كذريعة للقضاء على الخصوم . ولهذا، لا يكفي أن نحتج اليوم فقط… إنّ المطلوب هو فعل سياسي متكامل: قُضاة مستقيمون ، أمنيّون شرفاء يبدأون العودة إلى مهمّاتهم الحقيقيّة “حماية المواطنين لا قمعهم . مجتمع مدني منظّم قادر على إعادة إحياء الفضاءات الثقافية، ومثقفون لا يخشون أن يرفعوا أصواتهم. يجب أن نسمّي هذا النّظام بما يليق به، فهو ليس مجرد “حكومة”، بل “مافيا حكمية” تعيث فسادًا وتبتلع الحرّية والكرامة والهويّة الوطنية . عليكم أيها الشّرفاء في هذه الدّولة ، أينما كنتم أن تتصدّوا لهذا الاستبداد الربحي، فساعة نهايته ستقترب إذا وقفتم متحدّين. اليوم ، في 22 نوفمبر، لم تكن مجرّد مسيرة ، بل هي نداء لعودة الوطن إلى أهله، لعودة الكرامة إلى ضحايا القمع، لعودة الثّقافة إلى قلب تونس. إذا تحرّكنا الآن، سنكون قد أسّسنا لبداية النهاية الحقيقية لهذا النّظام و إلاّ فإنّ التّاريخ لن يرحمنا و لن يذكُرنا إلاّ بتقاعسنا و جٌبننا. فهل هذاما نُريدُ للأجيال القادمة أن تذكُرنا به .
إرسال تعليق