مشاهدات
صباح الزهيري
يقول ابن طبابا العلوي : محرمة أَكفال خَيلي عَلى القَنا وَدامية لباتها وَنُحورَها , حَرام عَلى أَرماحِنا طَعن مُدبِر وَتُندق مِنها في الصُدور صدورها ,
الجبن والفرار مما يشين بني الأحرار , الجبن غريزة كالشجاعة يضعها الله فيمن شاء من خلقه , قال المتنبي :
يرى الجبناء أنّ الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم , ويقول الحصين بن الحمام المري :
لسنا على الأعقابِ تَدمى كُلومنا ,
يعني أننا لا نهرب من القتال فتُجرح ظهورنا وأعقاب أقدامنا , بل نقاتل في مواجهة العدو , وإذا أصابنا جرح فإنه يكون في مقدمة أقدامنا, وهو تعبير عن الشجاعة والإقدام في المعركة , ويعتبر البيت كناية عن عدم الفرار والالتحام بالعدو .
قال الشاعر: يفر الجبان من أبيه وأمه
ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه ,
وقالت عائشة رضي الله عنها :
إن لله خلقاً قلوبهم كقلوب الطير كلما خفقت الريح خفقت معها فأف للجبناء ,
وقال خالد بن الوليد عند موته :
لقيت كذا وكذا زحفاً وما في جسدي موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم وها أنا ذا أموت حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء ,
إن موت الفراش عار وذل وهو تحت السيوف فضل شريف , وقول السموأل :
وما مات منا سيد حتف أنفه
ولا طل منا حيث كان قتيل ,
تسيل على حد الظباء نفوسنا
وليست على غير الظباء تسيل .
ويقال أسرع الناس إلى الفتنة أقلهم حياء من الفرار , وقال دارا بن دارا يحرض جيشه على القتال :
قتيل صابر خير من ناج فار ,
وقال هانئ الشيباني لقومه يوم ذي قار:
يا بني بكر هالك مغدور خير من ناج فرور , المنية ولا الدنية , يا بني بكر استقبال الموت خير من استدباره ,
الطعن في ثغور النحور أكرم منه في الاعجاز والظهور , يا بني بكر قاتلوا فمالنا من المنايا بد , الجبان مبغض حتى لامه والشجاع محبب حتى لعدوه , ويقال الجبن خير أخلاق النساء وشر أخلاق الرجال ,
وقال يعلى بن منية لقومه حين فروا يوم صفين : إلى أين قالوا قد ذهب الناس , فقال أف لكم فرار واعتذار ؟ , ولما قوتل أبو الطيب المتنبي ورأى الغلبة عليه فر , فقال له غلامه أترضى أن يحدث بهذا الفرار عنك وأنت القائل :
والخيل والليل والبيداء تعرفني ...
والطعن والضرب والقرطاس والقلم
فكر راجعاً فقاتل حتى قتل واستقبح أن يعير بالفرار.
روى الرفيق مدحت إبراهيم جمعة رواية , أنه في عام 1959 أصدرت محكمة المهداوي حكماً سياسياً على مجموعة من الضباط والقادة بالإعدام , ويقول الرفيق مدحت , أن الحزب كانت لديه إمكانية تهريب ثلاثة أشخاص من السجن قبيل تنفيذ أحكام الإعدام , والثلاثة هم : العميد الركن ناظم الطبقجلي , والعقيد رفعت الحاج سري , والرفيق الحزبي فاضل الشكرة , وأوفدت القيادة مدحت أبراهيم جمعة لإبلاغهم قرار القيادة , فذهب مدحت وقابل العميد الطبقجلي , الذي لم يبد أي رغبة , ولكنه طلب رأي العقيد سري , وعندما قابل العقيد سري , رفض المقترح رفضاً باتاً قاطعاً , وقال يستحيل أن يوافق على المقترح ويترك الضباط الصغار يواجهون رصاص الإعدام دون قادتهم بمعنويات ضعيفة وتسجل على تأريخهم الشخصي , وعلى تأريخ الجيش العراقي , وهو يشكر الحزب ولكن قراره هو أن يذهب لميدان الرمي ويعدم مع بقية الضباط , وأبلغ مدحت قرار العقيد سري هذا للعميد الطبقجلي , فأيده تماماً , وقال أنا مع هذا القرار الصائب , وعندما أبلغ القرار للرفيق فاضل الشكرة وهو حزبي يلتزم بقرار القيادة , ولكنه قال بموضوعية أنه يفضل ويستحسن قرار العميد الطبقجلي والعقيد سري , ويفضل أن يعدم معهم , ويقول الرفيق مدحت وهكذا عدت إلى القيادة القطرية لأبلغهم أن القادة الثلاثة يرفضون تهريبهم من تنفيذ حكم الإعدام بهم , وفعلاً واجه الضباط رصاص الإعدام في 20 / أيلول / 1959 بشجاعة نادرة , الضباط القادة في المقدمة والكل يهتف بحياة العراق والأمة العربية , وحقاً سجلوها مأثرة عظيمة في تأريخهم وتأريخ الجيش العراقي الباسل , السير إلى الموت خياراً لابد منه ورجولة في مصافحة الحتوف.
وضعت كتباً كثيرة عن البطل العقيد كلاوس شتافين بيرغ , الذي كان بطلاً حتى آخر لحظة من حياته، حين واجه رصاص الموت هاتفاً : لتعش ألمانيا المقدسة ,
هذه كانت الكلمات الأخيرة للبطل الذي كان واقفا في الساحة الداخلية لمبنى القيادة العامة للقوات المسلحة الألمانية حين أطلقت عليه حظيرة الرشق النار , في هذه اللحظة لم يتمكن مرافقه الملازم الأول ( وارنر فون هافن ) والذي كان في عداد المتفرجين ان يحتمل رؤية قائده يعدم , فهرع إليه ليحتضنه ويحميه من الرصاص المنهمر فيخر كلاهما صريع الوطن والواجب والشرف . حين حان طي آخر صفحة في الحرب العالمية الثانية , بالوحدة الألمانية (1990) أصدرت حكومة الوحدة قراراً تسحب فيه الاوسمة والقاب التكريم لأولئك الضباط وكبار الموظفين الذين انشقوا عن الدولة وأنظموا إلى الجبهة الشرقية الاتحاد السوفيتي , أو إلى الجبهة الغربية اميركا , بريطانيا , فرنسا , وحين سأل صحفي ألماني مسؤولاً حكومياً عن جدوى القرار أجاب :
نحن نعلم أن أكثر من يمسهم القرار متوفون , وبعضهم كان من شخصيات الدولة البارزة , ولكننا نريد التأكيد للجميع , اليوم وفي المستقبل , أن واجب موظف الخدمة العامة , والضابط في القوات المسلحة , أن يخدم بلاده , لا أن ينظم إلى العدو . إن الشجاعة ليست فقط في ميدان الرصاص , بل هي أيضاً في ميدان الفكر والقرار, فكما استقبح المتنبي أن يُعير بالفرار الجسدي, فإننا نفتقر اليوم إلى القادة الذين لا يُعيرون بالفرار الفكري أو السياسي أو الاقتصادي , مُتسلّقو السّياسة , البعضُ يظنّ أنّ رجالَ الدولة يولدون بالفطرة قادة , إنّهم نتاجُ حريّةٍ فكرية واجتماعية واقتصادية , ومعرفيّة , كم نفتقرُ لسياسيين يستطيعون إقناع الناس بأفكارهم حيث لم نرَ بعد الغزو قادةَ فكرٍ مُجدّدين في السياسة والاقتصاد والمجتمع للأسف, كما تمّ إضعاف الطبقة الاجتماعية الوسطى التي كانت خزّانا مولّدا للفكر والثقافة والموقف , لأسبابٍ لايجهلها أحد , وهكذا فمتسلّقو السياسة كُثُر هذه الأيام , لكن من يُقنعكَ منهم ؟؟؟

إرسال تعليق