النظام الإيراني ينوي إخلاء سكان طهران.. ولم يسأل نفسه ونظامه عن أسباب وجذور هذه الكوارث قراءة ما بين العبث والكارثة

مشاهدات


د. سامي خاطر

أكاديمي وأستاذ جامعي



بينما تغرق الشعوب في البحث عن حلولٍ مستدامة لأزمات المياه والحياة والتغير المناخي؛ يطلّ علينا النظام الإيراني بقرارٍ عبثي مثير يشي بطبيعته العاجزة وذهنيته المأزومة مشيراً إلى احتمال :

إخلاء سكان العاصمة طهران البالغ عددهم قرابة 12,000,000 نسمة بحجة الجفاف ونقص الموارد المائية.. قرارٌ أقرب إلى الهروب منه إلى الحل، وإلى الاعتراف بالفشل دون إعلانٍ رسمي.. وكأنّ النظام يقول للعالم : لقد أفرغنا البلاد من القدرة على الحياة فاحملوا أنتم عبء الكارثة. لكن السؤال الهام الذي يفرض نفسه وهو:

هل يستوجب الجفاف إخلاء قرابة 12,000,000 إنسان؟

وهل العجز في حال عدم هطول المطر يُقابَل بإخلاء المدن، ولا يُقابَل بإصلاح السياسات المنحرفة التي أوصلت إيران إلى هذا
المأزق الوجودي؟

أولًا: جفاف طبيعي أم إفلاس سياسي؟

لم يكن الجفاف في إيران ظاهرةً طبيعية فحسب بل تحوّل إلى مرآةٍ تكشف الفساد وسوء الإدارة، وغياب التخطيط، والنهب
الممنهج لموارد البلاد على أيدي الملالي.. وإنّ إيران رغم ما تمتلكه من أنهارٍ كبرى وسدودٍ ضخمة وموارد جوفية وافرة تُعدّ اليوم من أكثر الدول تهديدا بالعطش والتصحر.. والسبب ليس الطبيعة بل سياسات النظام الذي بدّد المياه كما بدّد الثروات والفرص . لقد حوّل النظام مشاريع المياه إلى مناقصات فاسدة لصالح ما يسمى بالحرس الثوري وشركاته التابعة.. بينما نُقلت المياه من مناطق الجنوب والوسط إلى أقاليمٍ تخدم مراكز النفوذ تاركًا ملايين المواطنين خاصة الفلاحين يواجهون الموت عطشًا وجوعًا.. وهكذا بدلاً من أن تكون التنمية رافعةً للعدالة صارت وسيلةً لتكريس الظلم والتفاوت.

ثانيًا: طهران تحت الحصار البيئي

العاصمة الإيرانية طهران كانت دائمًا رمزًا للسلطة؛ لكنها تحوّلت اليوم إلى قنبلة بيئية وسكانية موقوتة.. فخلال العقود الماضية زحفت إليها موجات الهجرة من المحافظات الفقيرة بحثًا عن عملٍ أو لقمة عيش لتتضخم المدينة دون تخطيطٍ عمراني، ودون بنيةٍ تحتيةٍ قادرة على الصمود أمام الأزمات. وتواجه طهران اليوم نقصًا حادًا في المياه الصالحة للشرب وتلوثًا خانقًا جعلها من أكثر مدن العالم سوءًا في جودة الهواء فضلًا عن تهالك شبكات الصرف والمياه التي تعود لعقودٍ مضت، ومع ذلك فإنّ دعوة النظام إلى إخلائها ليست حلاً بيئيًا بل اعترافًا بالعجز الكامل، وقد يكون ذلك تمهيدا لعمليات إبادة لطهران الثوار والمستضعفين ومحاولة لإلقاء اللوم على الطبيعة بدل مواجهة الحقائق وبالطبع تختلف طهران المستضعفين والثوار عن طهران المولاة التي لا توجد لديها أي مشاكل تُذكر مقارنة بغيرها ، ومآسي طهران البيئية كثيرة ومنها :

- تدمير الغابات والمراعي لصالح مشاريع الحرس الثوري.
- تجفيف الأنهار والبحيرات بسبب السدود العشوائية.
- انهيار البنى التحتية نتيجة الفساد والإهمال.

ثالثًا: أي نظام هذا؟ وأي شرعية يدّعيها؟

أي نظامٍ وأي نوعٍ من الفشل هذا الذي يخطط لإخلاء عاصمةٍ كاملة بدل أن يسأل نفسه عن سبب هذه الكوارث؟ وأي شرعيةٍ تلك التي لا تستطيع حماية أبنائها من العطش ولا تملك رؤيةً لإدارة مواردهم؟ إنّ نظام الملالي الذي يتفاخر ببرامجه النووية ويُنفق المليارات في مغامراتٍ عسكرية خارجية من لبنان إلى سوريا واليمن وفلسطين يعجز عن تأمين المياه لعاصمته، ولقد أنفق على الإرهاب أكثر مما أنفق على البيئة والتعليم والصحة مجتمعة حتى صارت إيران اليوم دولة على حافة الانهيار البيئي والاجتماعي، ومع ذلك يستمر الخطاب الرسمي في تقديم الأكاذيب نفسها ويلقي باللائمة على السماء لا على الفساد، والمطر غائب لا لأن النظام فاسد بل لأن الطبيعة "غدرت" بهم هم أولي العصمة والنقاء .!!!

رابعًا: شرّ البلية ما يُضحك

يقولون شرّ البلية ما يُضحك، وها هي المأساة الإيرانية تتحول إلى مهزلة.. فلمجرد أنّ المطر لم يسقط بالقدر الكافي يريد رئيس جمهورية الملالي إخلاء العاصمة طهران !!! وكأنّ الحلّ هو الفرار من الأرض بدل إصلاحها، والهرب من الأزمة بدل مواجهتها .. لكن الحقيقة أبعد من مجرد قرارٍ إداري؛ فالنظام يعلم أنّ طهران غدت بؤرة للغضب الشعبي، وأنّ أي أزمة جديدة قد تفجّر ثورةً جديدة .. لذا يبدو له أنّ إخلاءها مخرجا وخلاصاً له.. فمخطط الإخلاء الذي لمح له بزشكيان ليس فقط بسبب الجفاف بل ذريعة لإعادة توزيع السكان وتفكيك الكتلة المدنية المعارضة التي تشكل قلب الرفض للنظام .

خامسًا: الملالي والغرب.. تحالف الصمت

اللافت أنّ الأنظمة الغربية التي طالما تذرعت بحقوق الإنسان والبيئة تصمت اليوم عن هذه الكارثة لأنها تخشى انهيار النظام الذي تراهن عليه كحاجزٍ أمام التغيير الديمقراطي في إيران والمنطقة.. وإنّ الغرب المهادن الذي يبرر جرائم النظام باسم الواقعية السياسية يشارك بصمته في هذه المآسي والكوارث التي يرتكبها نظام الولي الفقيه، وفي الوقت الذي تُخلى أو قد تُخلى فيه المدن ستُفتح حسابات جديدة للنظام في الأسواق السوداء للنفط والسلاح لتستمر دورة الفساد بلا توقف وتستمر مخططات الغرب سارية موفقة بفضل هكذا نظام.

سادسًا: إيران بين الجفاف والاستبداد

ليس الجفاف وحده ما يهدد حياة الإيرانيين بل جفاف العدالة والحرية أيضًا؛ فحين يجفّ نهر العدالة تموت الأوطان عطشًا قبل أن تموت أراضيها، وإنّ ما يحدث في إيران اليوم ليس أزمة مناخ بل أزمة نظام لا يؤمن بالإنسان ولا يعترف بالمسؤولية . النظام الذي يكمم الأفواه ، ويعدم المعارضين، وينهب الثروات، وهو ذاته الذي يقتل الطبيعة بسياساته العمياء، ويغتال الأمل كما يغتال الماء.

ختاما.. من الذي يجب إخلاؤه ؟

حين يطالب النظام بإخلاء طهران فالأجدر أن يُخلَى ذاته هو من السلطة.. فليست المشكلة في المطر ولا في الطبيعة، بل في الحكم الذي جفّف الضمائر قبل أن يجفف الأنهار. إنّ إنقاذ طهران لا يكون بترحيل سكانها بل بترحيل الملالي عن رقابهم، وإنّ إعادة الحياة إلى إيران لا تحتاج إلى غيمٍ في السماء بل إلى شمسٍ من الحرية والعدالة تشرق على أرضٍ عطشى للتغيير.

تعليقات

أحدث أقدم