مشاهدات
صباح الزهيري
قال عيسى بن هشام , رَحِمَهُ اللهُ :
حَدَّثَنَا شَيخٌ عَالِمٌ بِمَجاهِلِ الوُجُودِ , جَوَالٌ في مَهَامِهِ الأَمْرِ المَوْعُودِ , فَأَخَذَ يُحَدِّثُنِي , وَيُشَارِكُنِي , عَنْ رُقْعَةٍ سَوْدَاءَ وَبَيْضَاءَ , جَعَلَتِ العُقُولَ تَحَارُ , وَالأَلْبَابَ تَنْهَارُ , فَقَالَ : عَلَى تِلْكَ الرُّقْعَةِ البَائِسَةِ , جَرَتْ أَعْجُوبَةٌ دَامِسَةٌ , في معمار المتاهة وسراب اليقين , عَلَى رُقعةِ الشَّطرنجِ , حَدَثَتْ مُعْجِزَةٌ خَرْقَاءُ, تَبَادَلَ المَلِكُ المُتَكَبِّرُ وَالجُندِيُّ البَسِيطُ الأَدْوَارَ , فَانْقَلَبَ قَلْبُهُ الحَجَرُ إِلَى عُصْفُورٍ يُغَرِّدُ وَيَطِيرُ , وَلَجْتُ مَتَاهَاتِ التَّشَظِّي مِثْلَ بُلُّورَةٍ مَكْسُورَةٍ , أَسَافِرُ بَيْنَ البَيَادِقِ المُتَهَالِكَةِ , فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عِبَارَةٌ عَنْ قِطْعَةٍ مِنْ فِكْرَةٍ تَائِهَةٍ , هَمَسَاتُهُمْ جَوْفَاءُ , وَفُرْسَانُهُمْ قُطْعَانٌ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ الغَائِرَةِ , وَدُرُوعُهُمْ صَدَى الرَّغَبَاتِ غَيْرِ المُعْلَنَةِ , أَمَّا الزَّمَنُ، فَهُوَ ثُعْبَانٌ يَلْتَفُّ حَوْلَ نَفْسِهِ , يَزْحَفُ عَبْرَ المُرَبَّعَاتِ , أَسْوَدَ وَأَبْيَضَ , لَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ أَيَّاً مِنْهُمَا , فَاللَّوْنُ هُنَا وَهْمٌ مَحْمُومٌ , وَالسَّمَاءُ المَسَائِيَّةُ مَخِيطَةٌ مِنْ أَحْلامِ المُهَنْدِسِينَ الَّذِينَ لاَ يَنَامُونَ , وَيَنْتَصِبُ الحِصْنُ القَدِيمُ شَامِخَاً , كَقَلْعَةٍ مِنَ اليَقِينِيَّاتِ الكَاذِبَةِ , أَحْجَارُهُ حَفْنَةٌ مِنْ رَمِيمِ عِظَامٍ ضَائِعَةٍ , وَمِلاَطُهُ غُبَارُ الإِيمَانِ المُنْهَارِ.
في قصيدة السقوط ومأساة الزعيم :
تِلْكَ هِيَ الكَلِمَاتُ الَّتِي رَقَصَتْ ذَاتَ وَلِيمَةٍ عَلَى شِفَاهِ الشُّعَرَاءِ العَرَبِ البُرْجْوَازِيِّينَ الَّذِينَ قَبِلُوا بِالفَرَاغِ المُطْبِقِ , وَالَّذِينَ تَجَرَّأُوا عَلَى غَمْسِ أَقْلاَمِهِمْ فِي مِحْبَرَةِ الظَّلاَمِ , لِيَجِدُوا أَنْفُسَهُمْ مُبْتَلَعِينَ بِنَظْرَةِ الهَاوِيَةِ السَّحِيقَةِ , وَمَعَ ذَلِكَ , فَإِنَّ ظِلَّ الزَّعِيمِ العَرَبِيِّ هُوَ الَّذِي يَلُوحُ فِي الأُفُقِ الغَائِمِ , لَيْسَ كَحَاكِمٍ بَلْ كَدُمْيَةٍ مِسْكِينَةٍ , دُمْيَةٍ فِي يَدَيِ القَدَرِ السَّاخِرِ , وَقِلاَدَتُهُ هَالَةٌ مِنَ الأَشْوَاكِ وَالدُّمُوعِ , وَنَيَاشِينُهُ وُعُودٌ مَكْسُورَةٌ , وَعِنْدَ الحَدِّ الفَاصِلِ , يَتَدَفَّقُ نَهْرٌ مِنَ الحِبْرِ المُرِّ , تَحْمِلُ تَيَّارَاتُهُ حُطَامَ الفِكْرِ جُمَلاً غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ , وَاسْتِعَارَاتٍ مُحَطَّمَةً , وَرَمَادَ أَفْكَارٍ كَانَتْ رَائِعَةً ذَاتَ تَارِيخٍ سَحِيقٍ , وَهُنَاكَ , طَافَ عَلَى هَذَا النَّهْرِ المُتَدَفِّقِ , بَيْدَقٌ وَاحِدٌ لاَ يَتَحَرَّكُ , يَحْدِقُ فِي الهَاوِيَةِ المُمْتَدَّةِ إِلَى مَا وَرَاءِ الحَوَافِ , نَظْرَتُهُ سُؤَالٌ , وَصَمْتُهُ صَرْخَةٌ , وَلَكِنْ لاَ جَوَابَ يَتَرَدَّدُ , فَقَطْ ضَحْكَةُ الفَرَاغِ القَاسِي وَاللاَّنِهَائِيِّ , ثُمَّ صَدَحَ صَوْتُ الشَّاعِرِ البَاسِلِ , عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَبْدِ الوَاحِدِ , مُخَاطِباً المَلِكَ المُسَاقَ إِلَى الهَلاكِ , فَقَالَ :
يَا أَيُّهَا المَلِكُ , بَاسِلَةً تَعَرَّتِ البَيَادِقُ , وَقُتِلَتْ بَاسِلَةً أَمَامَ كُلِّ النَّاسِ , نَبِيلَةً كَبَتْ عَلَى وُجُوهِهَا الأَفْرَاسُ , عَاتِيَةً تَهَاوَتِ القِلاَعُ , قَلْعَةً قَلْعَةً , وَلَمْ تَزَلْ وَحْدَكَ فِي الرُّقْعَةِ , تُسَاقُ لِلْمُرَبَّعِ الأَخِيرِ, لِكَيْ تَمُوتَ دُونَ مَا نَهْمَةٍ , كِشْ أَيُّهَا المُهَرِّجُ الكَبِيرُ ,
وَيَسْقُطُ الزَّعِيمُ العَرَبِيُّ , لَكِنَّ سُقُوطَهُ هُوَ البِدَايَةُ وَلَيْسَ النِّهَايَةَ , فَفِي هَذَا العَالَمِ الدَّوْرَةُ أَبَدِيَّةٌ , وَالقِطَعُ الَّتِي تَنْهَارُ الوَاحِدَةُ تِلْوَ الأُخْرَى , تُولَدُ مِنْ جَدِيدٍ فَقَطْ , وَتَخْرُجُ مِنْ رَمَادِ تَدْمِيرِهَا الذَّاتِيِّ . إِنَّ البَيَادِقَ تَتَحَرَّكُ , وَلَيْسَتْ بِأَيْدِي الرِّجَالِ الأَفْنَاسِ , وَلاَ بِأَهْوَاءِ الآلِهَةِ البَعِيدَةِ , بَلْ بِنَسْمَةِ الأَحْلاَمِ , تِلْكَ الهَبَّاتِ الرُّوحَانِيَّةِ الَّتِي تَرْفَعُ غُبَارَ الأَفْكَارِ وَتَنْشُرُهَا عَبْرَ الرُّقْعَةِ الوُجُودِيَّةِ , وَتَتِمُّ الحَرَكَةُ المُخْتَلَّةُ , يَقْفِزُ الفَارِسُ فِي دَوَّامَةٍ مِنَ الجُنُونِ , وَيَهْبِطُ فِي زَاوِيَةٍ يَتَقَارَبُ فِيهَا الزَّمَانُ وَالمَكَانُ , وَحَيْثُ يَرْكَعُ المَنْطِقُ , وَيُصْبِحُ الهَوَاءُ مَذَاقَهُ صَدَأً , وَفِي الخَلْفِيَّةِ , القَمَرُ, العَيْنُ الَّتِي تَرَى كُلَّ شَيْءٍ , تُرَاقِبُ اللَّعْبَةَ تَتَكَشَّفُ , ضَوْؤُهُ يُلْقِي بِظِلاَلٍ طَوِيلَةٍ حَادَّةٍ , تَقْسِمُ الرُّقْعَةَ إِلَى مِلْيُونِ شَظِيَّةٍ , كُلُّ مِنْهَا وَاقِعٌ مُوَازٍ , وَكُلُّ مِنْهَا جُزْءٌ مِنْ كُلٍّ مُحَطَّمٍ , إِنَّ اللَّعْبَةَ لاَ نِهَايَةَ لَهَا , وَاللاَّعِبُونَ غَيْرُ مَرْئِيِّينَ , وَتَحَرُّكَاتُهُمْ خَلْفَ الخَرِيطَةِ تُحَدِّدُهَا نَزَوَاتُ الكَوْنِ الَّذِي لاَ يُبَالِي بِالعَقْلِ , الكَوْنِ الَّذِي يَسْخَرُ مِنْ فِكْرَةِ البِدَايَةِ أَوِ النِّهَايَةِ , الَّذِي يَسْخَرُ مِنْ مَفْهُومِ النَّصْرِ , لأَنَّهُ فِي هَذِهِ اللَّعْبَةِ لاَ يُوجَدُ فَائِزُونَ , فَقَطْ كَرَاكِيزُ تَتَحَرَّكُ حَتَّى تُجْبَرَ عَلَى التَّوَقُّفِ عَنِ الحَرَكَةِ , وَهَكَذَا يَظَلُّ المَشْهَدُ أُفُقَاً مِنَ الشَّفَقِ الأُرْجُوَانِيِّ الدَّائِمِ , حَيْثُ تَغْرُبُ الشَّمْسُ فِي الشَّرْقِ , وَتُشْرِقُ مِنْ قَلْبِ الهَاوِيَةِ , وَحَيْثُ النُّجُومُ لَيْسَتْ بُقَعَ ضَوْءٍ , بَلْ دُمُوعُ الآلِهَةِ المَنْسِيَّةِ , وَحَيْثُ تَحْمِلُ الرِّيحُ هَمَسَاتِ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَجَرَّأُوا عَلَى الحُلْمِ فَاسْتَهْلَكَتْهُمْ أَحْلاَمُهُمْ , وفي أبديَّة اللعبة وشجن المتأمِّل , مُنْتَصِبَ القَامَةِ أَقِفُ فِي بَطْنِ الحَافَةِ , مُتَفَرِّجَاً عَلَى هَذَا الرَّقْصِ الكَوْنِيِّ المُضْطَرِبِ , وَشَاهِدَاً عَلَى القَدَرِ وَالفَوْضَى المُسْتَبِدَّةِ , وَأَتَسَاءَلُ , أَيْنَ أَجِدُ نَفْسِي فِي هَذَا التَّصْمِيمِ المَجْنُونِ؟ هَلْ أَنَا عَقْلُ اللاَّعِبِ , أَمْ مُجَرَّدُ كَرَاكُوزٍ مَنْسِيٍّ؟ أَوْ رُبَّمَا أَنَا المَشْهَدُ نَفْسُهُ , المَسْرَحُ الَّذِي تَتَكَشَّفُ فِيهِ هَذِهِ الدِّرَامَا الدَّمَوِيَّةُ , وَالَّذِي يُرْسَمُ عَلَيْهِ جُنُونُ الكَوْنِ.
لَكِنَّ هَذِهِ أَفْكَارٌ عَابِرَةٌ , ضَائِعَةٌ فِي دَوَّامَةِ الدَّمِ وَالمَوْتِ وَالتَّشَتُّتِ , فِي مَدِّ وَجَزْرِ اللَّعْبَةِ المُتَوَاصِلَةِ , فِي الرَّقْصِ الَّذِي لاَ نِهَايَةَ لَهُ لِلْكَرَاكِيزِ المُعَلَّقَةِ , وَلَمْ يَتَبَقَّ لِي سِوَى صَدَى كَلِمَةٍ بَعِيدَةٍ , وَصَوْتُ حُلْمٍ يَنْكَسِرُ عَلَى ضَفَّةِ الحَيَاةِ اليَقِظَةِ , فَكَانَ الخِتَامُ وَلَمْ يَكُنْ خِتَامَاً , فَهَكَذَا أَبْتَعِدُ , لَكِنَّ المَشْهَدَ يَبْقَى لُغْزَاً مَلْفُوفَاً بِالظِّلاَلِ , لُغْزَاً بِلاَ حَلٍّ , لُغْزَاً هَمَسَتْ بِهِ الرِّيَاحُ مُنْذُ أَنْ جَاءَ الهَمَجُ رُقْعَةٌ مِنَ الأَحْلاَمِ المُشَوَّهَةِ , حَيْثُ اللَّعْبَةُ أَبَدِيَّةٌ , وَالنَّتِيجَةُ لاَ تَزَالُ غَيْرَ مَعْرُوفَةٍ إِلَى الأَبَدِ , وَلْتَكُنْ خَاتِمَةُ مَقَامَتِنَا تَوْثِيقَاً , لِتَبْقَى العِبْرَةُ فِي القَلْبِ لاَ فِي النَّقْلِ , فَقَدْ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ اللَّعْبَ بِالشَّطْرَنْجِ مِنَ المَسَائِلِ المُخْتَلَفِ فِيهَا , وَلَكِنْ نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشَّطْرَنْجُ مَيْسِرُ العَجَمِ.

إرسال تعليق