ضغوط العقوبات تكشف هشاشة النظام الإيراني

مشاهدات



عقيل ثابت


عقوبات "الإعادة السريعة" تلقي بظلالها السياسية على خامنئي:  ضعف النظام الإيراني يتجلى في التنازلات المهينة 

نظام تحت الضغط : تنازلات مهينة وسط أزمات داخلية وخارجية


تواجه إيران أزمات متصاعدة على الصعيدين الداخلي والدولي، مما يدفع النظام إلى تقديم تنازلات مهينة تكشف عن هشاشته . تهديدات "الإعادة السريعة"، أو إعادة فرض العقوبات الدولية تلقائياً، أصبحت كابوساً سياسياً لقائد النظام الأعلى علي خامنئي، ملقية بظلال ثقيلة على استراتيجيته الخارجية. كشف الاتفاق الأخير مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA) عن الموقف المترنح لطهران ، حيث تجد نفسها مضطرة إلى قبول شروط كانت تعتبرها غير مقبولة سابقاً، في محاولة يائسة لتجنب العزلة الدولية المتزايدة. لكن هذه التنازلات، بدلاً من تعزيز موقف النظام، تكشف عن ضعفه العميق، في وقت يواجه فيه ضغوطاً داخلية متفاقمة تهدد استقراره.


تهديدات فارغة : محاولات لإخفاء الضعف

في محاولة لإخفاء نقاط ضعف النظام، لجأ وزير الخارجية عباس عراقجي إلى توجيه تهديدات علنية ضد أوروبا خلال مقابلة تلفزيونية ، معلناً أن "تفعيل آلية الإعادة السريعة سيؤدي إلى استبعاد أوروبا من المفاوضات النووية". لكن هذه التصريحات، التي وُصفت بأنها مسرحية سياسية، لم تلق قبولاً كاستراتيجية جادة. يرى المحللون أن هذه التهديدات لا تهدف إلى ردع أوروبا أو الولايات المتحدة، بل هي تعبير عن العجز الداخلي للنخبة الحاكمة، التي تجد نفسها محاصرة بآلية الإعادة السريعة القادرة على إلغاء جميع الامتيازات النووية التي حصلت عليها إيران، مما يضع طهران في موقف دفاعي غير مسبوق .


مناورات يائسة لاسترضاء أوروبا

في محاولة لتجنب تفعيل عقوبات الإعادة السريعة أو على الأقل تأخيرها، لجأ النظام إلى سلسلة من التدابير الدبلوماسية الهادفة إلى استمالة الثلاثية الأوروبية، وخاصة فرنسا. من بين هذه التدابير، استخدام دبلوماسية الرهائن كورقة ضغط. ذكرت وكالة رويترز أن وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، طالب في مقابلة مع راديو فرانس إنتر بـ"الإفراج الفوري وغير المشروط" عن ثلاثة مواطنين فرنسيين مسجونين في إيران. ورفض بارو التعليق على تصريحات عراقجي بشأن صفقة محتملة لتبادل السجناء، مما يبرز التوتر في العلاقات الدبلوماسية. هذه الحلقة تؤكد اعتماد النظام على دبلوماسية الرهائن كأداة للتفاوض، وهي ممارسة تكشف عن ضعفه على الساحة الدولية، حيث يعتمد على استغلال الأفراد بدلاً من تقديم حلول بناءة .


تلاقي الضغوط الداخلية والخارجية

إلى جانب التحديات الدولية، يواجه نظام خامنئي أزمات داخلية حادة تهدد استقراره . الاحتجاجات الشعبية المتزايدة، التضخم المتسارع، الركود الاقتصادي العميق، الفساد الهيكلي، وأزمة شرعية متفاقمة خلقت بيئة متفجرة. في مثل هذه الظروف، يصبح أي تصعيد على الساحة الدولية بمثابة تهديد وجودي للنظام. النظام عالق في مفارقة خطيرة : التراجع عن مواقفه يهدد بتحطيم صورته عن السلطة الداخلية، في حين أن التحدي والاستمرار في سياسات المواجهة يسرّع من الضغوط العالمية ويمهد لتفعيل عقوبات الإعادة السريعة، مما يزيد من عزلته الدولية. هذا الواقع دفع عشرات الآلاف من الإيرانيين الشرفاء والأحرار إلى الخروج في تظاهرات واسعة النطاق، داخل إيران وخارجها، مطالبين بإسقاط النظام بشكل جذري ودعم انتفاضة الشعب الإيراني والمقاومة المنظمة. على سبيل المثال، في 6 سبتمبر 2025، تجمع عشرات الآلاف من الإيرانيين وداعمي مجلس المقاومة الوطني الإيراني في بروكسل، احتفالاً بالذكرى الستين لتأسيس منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، مطالبين بتصنيف حرس الثورة منظمة إرهابية، وفرض عقوبات أوسع على قادة النظام، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، ودعم خطة مريم رجوي العشرية لإيران ديمقراطية علمانية غير نووية. تضمنت الكلمات البارزة تصريحات مريم رجوي، رئيسة المجلس المنتخبة، ومايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي السابق، الذي أكد أن "وحدات المقاومة داخل إيران هي محرك التغيير"، وغوي فيرهوفشتات، رئيس وزراء بلجيكا السابق، الذي وصف المجلس بديلاً ديمقراطياً لنظام الملالي. وردد المتظاهرون شعارات مثل "الوقت للانتفاضة قد حان" و"سنحرر إيران" . كما شهدت إيران احتجاجات داخلية واسعة في 7 سبتمبر 2025 في مدن مثل طهران وأهواز وكرمانشاه، شارك فيها المتقاعدون والعمال والطلاب، مطالبين بوقف "الاستبداد والطغيان" و"الحرية"، مع شعارات مثل "لنعش تحت الطغيان، سنضحي بحياتنا من أجل الحرية". وفي 11 سبتمبر، نفذ الشباب الإيراني 15 عملية احتجاجية نارية في مدن مثل أراك وقزوين وكرمانشاه، محرقين لافتات خامنئي وخميني ومراكز الباسيج، دعماً للاحتجاجات العمالية ومطالبين بتغيير النظام . هذه التظاهرات تعكس غضباً شعبياً متزايداً تجاه الفشل السياسي والاقتصادي، وتضيف ضغوطاً داخلية ودولية على نظام يعاني من انهيار شامل.


نظام في موقف دفاعي: الدعاية بدلاً من الحلول

وفقاً للمراقبين، فإن تهديدات النظام تحمل وزناً قانونياً  أو عملياً ضئيلاً، وتعمل كردود فعل انعكاسية للضغط الدولي المتزايد . أُجبرت طهران على الاعتماد على التهديدات اللفظية والدعاية بدلاً من تقديم حلول عملية. الانخفاض الحاد في قيمة الريال، الذي وصل إلى مستويات قياسية، إلى جانب السخط العام المتزايد، أجبرا القيادة على التفكير في تنازلات كانت غير متخيلة سابقاً، مثل التعاون الموسع مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو فرض قيود على الأنشطة النووية مقابل تخفيف محدود للعقوبات. لكن هذه التنازلات، بدلاً من تعزيز موقف النظام، تكشف عن مدى ضعفه وتؤكد أن تهديداته لا تعدو كونها محاولات يائسة للحفاظ على صورة القوة أمام جمهور داخلي متعَب.


الواقع السياسي: كابوس العقوبات

تحولت عقوبات "الإعادة السريعة" إلى أكثر من مجرد إجراء قانوني؛ فهي تمثل كابوساً سياسياً لخامنئي وجهازه الدبلوماسي. تلاقي الاضطرابات الداخلية، من احتجاجات شعبية وأزمات اقتصادية، مع الضغوط الخارجية المتزايدة، قد دفع النظام إلى حالة ضعف غير مسبوقة. تهديدات وسائل الإعلام الحكومية، التي تحاول تصوير النظام كقوة لا تُقهر، فشلت في إخفاء الواقع القاسي: نظام محاصر يعتمد على الدعاية بدلاً من الإصلاحات، ويواجه تهديداً وجودياً متزايداً مع كل خطوة نحو العزلة الدولية.


تعليقات

أحدث أقدم