النور الذي بدد الظلام وغيّر مجرى التأريخ

مشاهدات



سعد احمد الكبيسي


لم يكن أحد يتصوّر أن من غارٍ مظلمٍ في مكة سيخرج نور يضيء هذه الأرض عن آخرها. كانت الأرض عطشى للسماء، فجبريل عليه السلام منذ ما يزيد على خمسمئة سنة لم ينزل بتعليمات السماء إلى الأرض. وكانت البشريّة تغصّ بالضلالة، بقايا من أهل الكتاب قد حرّفوا كتبهم، وأكثريّة تعبد ما تنحت من صخر وتأكل ما تعبد من تمر، حتى حانت اللحظة التي شاء الله تعالى أن يضع حدّاً لكل هذا الظلام، فيُرسل خاتم أنبيائه، محمداً صلى الله عليه وسلم، رحمةً للعالمين، ومسك ختامٍ للرسالات السماوية.


فالرسالات لا بدّ لها من مسك ختام، وحين يُراد بالمسك أن يكون بشراً، فمن عساه يكون غير محمد ؟! النبوّة الأخيرة لم تكن تليق إلا به، وإن كان إخوتُه الأنبياء قد سبقوه مجيئاً، فقد سبقهم مقاماً. جاء أخيراً ليكون أوَّلاً، ومن مكة خرج النور ليبدد ظلمات الأرض جميعاً. لقد كان صلى الله عليه وسلم مثالاً للرحمة حتى في أحلك ظروف الحرب. قبل ما يزيد على ألف وأربعمئة سنة، كان يملي على جيشه أخلاق القتال، فيقول لهم :


لا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقطعوا نخلاً ولا شجرة، ولا تهدموا بناءً.


وحين كانت الحرب تضع أوزارها، كان ينهى أصحابه عن التمثيل بالجثث، وعن الإساءة للأسرى . لم يكن همه أن ينشر دينه بالقوة، بل كان يعرف أن الحق الذي لا تدعمه القوة قد يستهين به الناس، فكان سيفه عدلاً ورحمة، لا بطشاً وظلماً . وفي يوم الوداع، وقف يخاطب الناس في خطبة عظيمة وضع فيها النقاط على الحروف، وأسس بها دستوراً للبشرية جمعاء، فقال :


“إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!”.


ثم ختم بقوله الذي يرسخ مبدأ المساواة والكرامة الإنسانية: “كلكم لآدم وآدم من تراب”.

سلام عليك يا سيّدنا وقدوتنا وشفيعنا وتاج رؤوسنا.
سلام عليك يوم وُلدت، ويوم مُتَّ، ويوم تُبعث سيّداً للعالمين.
سلام على بطنك الجائع في شعب مكة ليكون لنا دين، وسلام على دمك النازف في الطائف وأُحد ليكون لنا عقيدة، وسلام على دمعك يوم الهجرة ليكون لنا عزّ ودولة، وسلام على قدميك المتورمتين من طول قيامك تدعو: “اللهم أمتي، اللهم أمتي” حتى يطمئنك جبريل ببشارة ربك : “إنا سنرضيك في أمتك”.


نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، ولم تترك خيراً إلا دللتنا عليه، ولا شراً إلا حذرتنا منه. ويعز علينا أننا لم نرك، ولم تكتحل أعيننا بنور وجهك، لكن عزاءنا في وعدك لنا:

“موعدكم معي عند الحوض”.

تعليقات

أحدث أقدم