فالرسالات لا بدّ لها من مسك ختام، وحين يُراد بالمسك أن يكون بشراً، فمن عساه يكون غير محمد ؟! النبوّة الأخيرة لم تكن تليق إلا به، وإن كان إخوتُه الأنبياء قد سبقوه مجيئاً، فقد سبقهم مقاماً. جاء أخيراً ليكون أوَّلاً، ومن مكة خرج النور ليبدد ظلمات الأرض جميعاً. لقد كان صلى الله عليه وسلم مثالاً للرحمة حتى في أحلك ظروف الحرب. قبل ما يزيد على ألف وأربعمئة سنة، كان يملي على جيشه أخلاق القتال، فيقول لهم :
لا تغدروا، ولا تقتلوا وليداً ولا امرأة ولا كبيراً فانياً، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقطعوا نخلاً ولا شجرة، ولا تهدموا بناءً.
وحين كانت الحرب تضع أوزارها، كان ينهى أصحابه عن التمثيل بالجثث، وعن الإساءة للأسرى . لم يكن همه أن ينشر دينه بالقوة، بل كان يعرف أن الحق الذي لا تدعمه القوة قد يستهين به الناس، فكان سيفه عدلاً ورحمة، لا بطشاً وظلماً . وفي يوم الوداع، وقف يخاطب الناس في خطبة عظيمة وضع فيها النقاط على الحروف، وأسس بها دستوراً للبشرية جمعاء، فقال :
“إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد!”.
نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، ولم تترك خيراً إلا دللتنا عليه، ولا شراً إلا حذرتنا منه. ويعز علينا أننا لم نرك، ولم تكتحل أعيننا بنور وجهك، لكن عزاءنا في وعدك لنا:

إرسال تعليق