فرامرز صفا
كاتب ومحلل إيراني
يكشف تحليل دقيق عن سياسات النظام الإيراني تكتيكاً متعمداً لقمع المجتمع من خلال فرض حالة من الإنهاك واليأس، بهدف إخماد أي مطالبات بالتغيير. يعتمد النظام على تحويل السلع الثقافية والتعليمية الأساسية إلى كماليات بعيدة المنال، مما يعمق الفجوات الاجتماعية ويحرم المواطنين من حقوقهم الأساسية. وقد تجلى هذا التكتيك بوضوح في ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية، وإغلاق المكتبات، وتعطيل التجارة العادلة، في سياسة تهدف إلى خنق المجتمع الإيراني وإجباره على قبول "الصبر والمعاناة" كواقع لا مفر منه.
تحويل التعليم إلى كمالية
مع بداية كل عام دراسي في سبتمبر، يواجه الإيرانيون أزمة ارتفاع أسعار الأدوات المدرسية التي أصبحت بمثابة سلع فاخرة. وفي مقال نشرته صحيفة "جهان صنعت" الحكومية في 2 سبتمبر 2025 بعنوان "سوق الأدوات المدرسية الفاخرة"، أقرت الصحيفة بأن التضخم بنسبة 50% قد شلّ سوق الأدوات المدرسية، مما دفع العديد من البائعين إلى تغيير نشاطهم التجاري أو إغلاق متاجرهم نهائياً. هذا الوضع لا يمثل أزمة اقتصادية فحسب، بل هو أزمة ثقافية واجتماعية تُحرم الأطفال من الأسر الفقيرة من حقهم الأساسي في التعليم، مما يعمق الفجوة بين الطبقات ويحد من فرص التنمية البشرية.
إطفاء نور الثقافة
لا يقتصر الهجوم على التعليم، بل يمتد إلى القطاع الثقافي، حيث يتسبب ارتفاع تكاليف الكتب في إفلاس الناشرين وإغلاق المكتبات. وأشارت "جهان صنعت" إلى أن العديد من المكتبات اضطرت إلى دمج أنشطتها مع بيع الأدوات المدرسية للبقاء، بينما ألغى آخرون تراخيصهم وتخلوا عن العمل نهائياً، وفقاً لاتحاد الناشرين. هذه السياسة المتعمدة تهدف إلى إخماد الحياة الثقافية، وقمع التعليم، ومنع تطور الفكر المستقل في المجتمع، مما يعزز سيطرة النظام على العقول.
الفساد الهيكلي وفخ الواردات
نقلت الصحيفة ذاتها عن رئيس اتحاد الأدوات المدرسية والهندسية في طهران قوله : "تخصيص العملة هو العدو الأول للنقابات. العديد من الشحنات عالقة في الجمارك لمدة 8 إلى 9 أشهر، مما يشل الواردات القانونية ويعزز التهريب". هذا الواقع يكشف عن نظام عاجز عن إدارة التجارة الأساسية، بل ومتواطئ في الفساد المؤسسي الذي يعيق توزيع الموارد بشكل عادل ويحرم المواطنين من الوصول إلى السلع الأساسية.
ثروات منهوبة بالمليارات
في مقال آخر بعنوان "مليارات الريالات في السعي وراء الريع"، أقرت "جهان صنعت" بأن النظام الإيراني، بعد 47 عاماً من حكمه، فشل في إنشاء نظام نقدي عقلاني وعلمي، وبدلاً من ذلك، حافظ على نظام عملة يغذي الفساد ويعزز التفاوت الاجتماعي الصارخ . هذا الاعتراف النادر يكشف حقيقة يعرفها الشعب الإيراني منذ زمن: النظام ليس مجرد عاجز عن إدارة الاقتصاد، بل مبني على نهب هيكلي يهدف إلى تمكين شبكات السلطة والقمع.
غرفة الاقتصاد المظلمة
تكشف هذه السياسات عن نظام لا يهتم برفاهية شعبه. تدمير التعليم، الكتب، والثقافة لا يشكل أولوية للحكام الذين يركزون فقط على الحفاظ على سلطتهم وإثراء الموالين عبر "الغرف المظلمة" للاقتصاد. وكما أشارت "جهان صنعت": "اطلب من الجمارك الإيرانية الكشف عن أسماء مستوردي سلع أساسية مثل السكر، وستتضح الحقيقة". من السكر إلى الأدوات المدرسية، كل ضرورة أساسية تُحتجز رهينة شبكات مافيا مرتبطة بالنظام.
مظاهرة بروكسل: صوت الحرية
على الرغم من هذه السياسات القمعية، يواصل الشعب الإيراني نضاله. في 6 سبتمبر 2025، تجمع عشرات الآلاف من الإيرانيين الأحرار في بروكسل للتنديد بالنظام الإيراني ودعم انتفاضة الشعب والمقاومة المنظمة. هذه المظاهرة، التي شهدت مشاركة شخصيات عالمية بارزة مثل مايك بنس وجون بيركو، عكست الزخم الدولي المتزايد لدعم قضية الحرية في إيران. هذا الحدث أظهر بوضوح أن الشعب الإيراني لن يستسلم لسياسات "الصبر والمعاناة"، بل يواصل مواجهة النظام بإرادة لا تلين.
مجتمع يرفض الخضوع
على عكس توقعات النظام، لم تؤد هذه السياسات إلى الاستسلام، بل إلى تصعيد المواجهة. اليوم، تشهد إيران صراعاً لا يمكن التوفيق بينه، بين أغلبية المجتمع وأقلية فاسدة مستبدة. هذا النضال الممتد وضع النظام في نقطة حاسمة محلياً ودولياً. من الواضح أن أيام حكام الملالي الذين يختبئون خلف التلاعب الاقتصادي والخنق الثقافي تقترب من نهايتها، حيث يطالب الشعب الإيراني بالعدالة، الحرية، ومستقبل خالٍ من "الصبر والمعاناة" المفروضة.
خاتمة
تكتيك النظام الإيراني في فرض الإنهاك واليأس لم يعد مجدياً. إن صمود
الشعب الإيراني، المدعوم بحراك عالمي كما في مظاهرة بروكسل، يؤكد أن التغيير قادم.
المجتمع الدولي مدعو لدعم هذا النضال عبر تبني سياسات تدعم المقاومة المنظمة،
بدلاً من اللجوء إلى حلول عسكرية قد تعقد الأزمة. إيران المستقبل تستحق أن تكون
حرة، ديمقراطية، ومزدهرة، وهذا لن يتحقق إلا بإرادة شعبها ودعم العالم.

إرسال تعليق