طلال بركات
وصفت صحيفة العالم الجديد الاتفاقية الأمنية التي وقعها العراق مع إيران خلال زيارة علي لاريجاني إلى بغداد : بأنها نهاية لسياسة وقوف العراق في المنتصف الطريق بين واشنطن وطهران، وخطوة نحو تحوّل العراق رسمياً إلى جزء من منظومة الأمن القومي الإيراني أي انضمام بغداد رسمياً لمحور المقاومة تحت قيادة ايران التي تمثل الدولة الأولى الراعية للإرهاب بالنسبة لواشنطن مما يضع العراق في المواجهة في حال اندلاع الحرب بين واشنطن وطهران لان هذة الاتفاقية تتناقض مع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين بغداد وواشنطن . وأيضاً يمكن اعتبار هذا الاتفاق رد على قانون تحرير العراق من النفوذ الإيراني، الذي استبشر به كثير من الناس خيراً خصوصاً من الذين ضاقوا ذرعاً من تدخلات ايران في الشأن العراقي معتقدين ان هذا القانون سوف يحرر العراق من حكم الفاسدين، رغم اختلافه كلياً عن قانون تحرير العراق الذي صدر في عام 1998 الذي نص على اسقاط نظام الحكم ونص على التعاون مع أطراف المعارضة الذي تم تسميتهم سواء أشخاص ام تنظيمات، بينما هذا القانون الجديد المبهم الذي يسعى لسلخ العراق من شبكة النفوذ الإيراني لم يرد فيه ما يشير الى تغيير الحكم او ازالة الطبقة الفاسدة، وانما كل ما ورد فيه تقليص نفوذ ايران من خلال تفكيك الميليشيات الولائية دون الإفصاح بشكل صريح عن الوسيلة سواء بالمفاوضات او العقوبات او استخدام القوة بضربات مخدرة كما حصل في لبنان واليمن ..
لذلك شكك كثير من المحللين السياسيين في موقف إدارة ترامب بعدم جدية تفعيل هذا القانون على ارض الواقع واشار احد السياسيين في لندن لو كانت الادارة الأمريكية جادة في تحجيم ايران عليها تغيير النظام السياسي في العراق، لانه من الخطأ التمييز ما بين الميليشيات الولائية والطبقة السياسية الحاكمة لان الوقائع على الأرض تشير إلى ان كل طرف مكمل للآخر في إطار العملية السياسية، وقال أيضاً اذا افترضنا تم التوافق على حل الحشد او حل بعض الفصائل هل سيغير ذلك من ولاء الطبقة الحاكمة إلى ايران، تلك الطبقة التي رهنت القرار السياسي العراقي وسلمت أموال ومقدرات العراق إلى القيادة الإيرانية وجعلت العراق عمق إستراتيجي لإيران قبل تشكيل الحشد الشعبي لان الجميع يعلم ان حكام العراق إيرانيين اكثر من ايران وهم من قام بتسويف عملية الحصار والعقوبات التي فرضت على ايران خلال السنين السابقة وجعل ثروات العراق تحت تصرف المشروع الإيراني الرامي إلى الهيمنة على المنطقة خصوصاً بعدما اصبح العراق ممر جوي وبري لتغذية اذرع ايران بالمال والسلاح في لبنان واليمن وسوريا قبل التحرير فضلاً عن تهريب النفط الإيراني من خلال مزجه مع النفط العراقي وبيعه في الأسواق العالمية كونه نفط عراقي من اجل خرق العقوبات على ايران . وفي تقرير ورد في المنتدى العربي للدراسات الإيرانية حول هذا القانون بان اي محاولة لتغيير السلوك السياسي للطبقة السياسية الحاكمة في العراق لغرض ابعادها عن ايران سوف يكون مصيرها الفشل لان توجهات تلك الطبقة قائمة على اساس التبعية العقائدية لنظام المرشد الأعلى الولي الفقية، لهذا ان بقاء النظام الحالي في العراق يتناقض مع سياسة إدارة ترامب التي تزعم العداء لايران لان ممارسة أسلوب الضغوط القصوى لغرض تغيير سلوك النظام الإيراني مع بقاء العراق حديقة خلفية لايران يعني ضحك على الذقون ، وجاء في التقرير ان أي حصار او عقوبات على ايران سوف لن تجدي نفعاً مالم يتم قطع الشريان الذي يمد ايران بما يعرقل الحصار او يسوف العقوبات ..
واشار احد المحلليين العراقيين في امريكا المطلوب من الإدارة الأمريكية تصحيح المسار الذي بموجبة احتلت امريكا العراق خصوصاً بعد النقد اللاذع الذي وجهه الرئيس ترامب الى الرئيس الأسبق جورج بوش على احتلال العراق وتسليمه إلى ايران، التي عملت على نهب ثرواته وتدمير بناه التحتية والتغلغل في مفاصل المجتمع لتفكيك نسيجه الاجتماعي والهيمنة على مؤسسات الدولة حتى بات العراق جزء من المنظومة الإيرانية واداة فاعلة في تنفذ مخططات ايران وفق مشروعها التوسعي في المنطقة بعدما خسرت امريكا اكثر من 4000 قتيل و25 ألف جريح و 2 تريليون دولار وبالنهاية تستحوذ ايران على الجمل بما حمل، والأكثر من ذلك حرصت الإدارات الأمريكية على بقاء النظام الذي ساهمت في صنع مؤسساته وساهمت بالحفاظ عليه وساهمت في نمو منظومة الفساد وشاركت في تهريب الأموال من اجل إبقاء العراق دولة ضعيفة منهوبة الثروات ومسلوبة الإرادة .. وقال لو كانت ادارة ترامب جادة في تصحيح مسار الأوضاع في العراق وجادة في تحجيم ايران لابد من تغيير الحكم الهش في العراق القائم على الفساد والإجرام ، وعدم قبول وقوف الطبقة السياسية في المنطقة الرمادية لانه ليس من المعقول ان يكون العراق محافظة إيرانية بحماية أمريكية تحت مسمى الشراكة واتفاقية الإطار الاستراتيجي، بينما منظومة الحكم تقدم الدعم الكامل للنظام الإيراني على مرأى الإدارات الأمريكية المتعاقبة .... واشار الى إمكانية التحايل على قانون تحرير العراق المبهم من خلال قبول الميليشيات المستهدفة نزع أسلحتها والانخراط في الجيش والأجهزة الأمنية ، او الخروج من الباب والدخول من الشباك أي الاختباء وراء المؤسسات الرسمية من خلال مشاركة قادة تلك الميليشيات في الانتخابات القادمة التي يتحزمون لها بهمة عالية ليتحولوا من قادة فصائل مسلحة إلى أعضاء في البرلمان وبعد ذلك يقولون للسيد ترامب نحن منتخبون من الشعب ونحن على استعداد فتح أبواب الاستثمار أمام الشركات الأمريكية مثلما أبدى قادة الحرس الثوري في طهران استعدادهم بقبول إستثمار الشركات الأمريكية في ايران بقيمة 4 ترليون دولار وبعدها يسيل اللعاب وتتغير الأحوال وتتحول بوصلة الضغوط القصوى إلى التهدئة واللجوء إلى الحل الدبلوماسي للاتفاق عبر طاولة المفاوضات، مثلما يجري من سعي للوصول إلى حل سلمي مع ايران حول البرنامج النووي .. مما يعني أن الاتفاقية الأمنية بين بغداد وطهران على نقيض من قانون تحرير العراق من النفوذ الإيراني خصوصاً مع بقاء الطبقة الفاسدة في الحكم بينما لو شاهدت الطبقة الحاكمة في العراق العين الحمرا كما يقال من الولايات المتحدة لما وقع العراق هذه الاتفاقية مع ايران التي قال عنها الدكتور هاني الحديثي بانها سوف " تتيح لايران فرصة التدخل في الشأن العراقي تحت مبررات حق الدفاع المشترك حتى لو تم ذلك بقصد التصدي بالقوة الإيرانية لإرادات شعبية وطنية متوقعة، وغير مبالين ايضا بما يربطهم بالولايات المتحدة من اتفاقيات ومعاهدات استراتيجية تجعل العراق تحت وطأة السيطرة الجوية الأمريكية وتأثيرات تواجد القواعد الأمريكية داخل العراق، وغير آبهين بالموقف المحيط بايران دوليا واقليميا".

إرسال تعليق