إعداد الدكتور هاني الحديثي
مسعود بازشكيان الرئيس الإيراني في ارمينيا لتلافي تاثيرات الاتفاق الأذربيجاني -الأرميني برعاية الرئيس ترامب على ربط أذربيجان بجمهورية ناخيتشفيان داخل ارمينيا عبر طريق زانجزور الاستراتيجي وقد وقّع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، الثلاثاء 19 من آب 2025 في العاصمة يريفان، اتفاقاً ثنائياً عقب مباحثات تناولت مشروع الممر المزمع إنشاؤه لربط أذربيجان بجيب ناخيتشيفان قرب الحدود الإيرانية، وهو جزء من اتفاق السلام الموقّع أخيراً في البيت الأبيض. ويأتي التوقيع غداة تصريحات بزشكيان، قبيل مغادرته طهران، حذّر فيها من "الوجود المحتمل لشركات أميركية في المنطقة"، معتبراً أنه أمر "مقلق"، وأكد أنّه سيطرح هذه الهواجس مع المسؤولين الأرمينيين خلال زيارته التي تشمل أيضاً بيلاروس. الممر البري، المعروف باسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي" (TRIPP)، يُعد جزءاً من اتفاق وقع هذا الشهر في واشنطن بين أرمينيا وأذربيجان، يمنح بموجبه للولايات المتحدة حقوق تطوير المشروع الذي يربط أذربيجان بجمهورية ناخيتشيفان عبر الأراضي المحاذية للحدود الإيرانية. وقد عارضت طهران مراراً هذا المشروع، المعروف أيضاً باسم "ممر زنغزور"، خشية أن يؤدي إلى قطعها عن أرمينيا وبقية منطقة القوقاز، ويجلب معها قوى أجنبية معادية إلى حدودها.
يشار إلى أنه بعد انتهاء ما عرفت بالحرب الثانية في قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا عام 2020 بوساطة روسيا طُرحت فكرة ممرّ زنغزور بدعم تركي، بهدف ربط جمهورية أذربيجان بمنطقة نخجوان عبر جنوب أرمينيا وبمحاذاة الحدود الشمالية لإيران . وقد عارضت طهران هذا المشروع منذ البداية رغم علاقاتها متعددة المجالات مع تركيا ،معتبرة أنه يهدّد بإغلاق منفذها الحدودي الوحيد مع أرمينيا بمعنى ان ايران ظلت تعارض اي اتفاق مع ارمينيا لحل مشكلة أذربيجان معها موظفة ذلك الخلاف والنزاعات لصالحها لاعتبارات جيوسياسية بعيدا عن شعاراتها الإسلامية التي ترفعها خاصة أنها تتهم جمهورية أذربيجان المسلمة (وبأغلبية شيعية) بالعداء لها مما دفعها للوقوف الى جانب ارمينيا في نزاعها مع أذربيجان حول اقليم ناغورني كاراباخ ، في الوقت الذي تحجم عن ذكر الاسباب الحقيقية لذلك النزاع بينهما حيث التشابك العرقي بين اقليم أذربيجان الإيراني مع الدولة الأم أذربيجان . لاحقا، وبعد اتفاق السلام الذي رعاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بين باكو ويريفان مؤخرا، تقرّر إنشاء هذا الممرّ تحت اسم "مسار ترامب من أجل السلام والازدهار الدولي" بمحاذاة نهر أرس، على أن يُسلَّم تطويره لواشنطن لمدة 99 عاما. وأثار ذلك قلقا بالغا في إيران بشأن وجود قوات وشركات أمريكية وربما محاطة لتامينها بقوات أمريكية على امتداد الحدود مع ايران حيث اعرب بزشكيان خلال الاجتماع مع الرئيس الأرميني عن ضرورة معالجة مخاوف إيران من وجود ما وصفها بـ"قوة ثالثة" عند الحدود المشتركة، مطالبا بضمانات أمنية واضحة. باشينيان، من جانبه، شدّد على أن جميع الطرق والمسارات التي تمر عبر الأراضي الأرمينية ستظل تحت السيطرة الكاملة لحكومة أرمينيا، مؤكّدا أن تأمين هذه الطرق سيكون حصرا بيد أرمينيا، ولن يكون لأي دولة ثالثة – بما فيها الولايات المتحدة – أي دور في إدارتها أو مراقبتها. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وصف المحادثات الأخيرة مع الجانب الأرميني بأنها "إيجابية جدا"، معلنا أن وثيقة استراتيجية ستُوقَّع قريبا بين طهران ويريفان. كما أكد أن أرمينيا أعطت ضمانات بأن "ممرّ ترامب" لن يشكّل تهديدًا لإيران، وأنه لن تشارك فيه أي شركات أو قوات لبلد ثالث .
خلال الزيارة للرئيس الإيراني وقّع الجانبان الإيراني والأرميني عشر اتفاقيات تعاون في مجالات سياسية، اجتماعية، ثقافية، تعليمية، صناعية، فنية، سياحية وصحية. ومن أبرز هذه التفاهمات الاتفاق على تنفيذ مشروع سكك حديدية استراتيجي يربط المياه الجنوبية لإيران بالبحر الأسود عبر مسار يمر بجُلفا وصولًا إلى نخجوان ثم أرمينيا. كما شملت الاتفاقات تطوير جسر نوردوز وبناء جسر ثانٍ . وفي هذه الزيارة فأن الرئيس مسعود بزشكيان بحث خلالها مسألة إنشاء ممر يربط أذربيجان بجيب تابع لها عبر أراضي أرمينيا كجزء من اتفاق سلام رعته واشنطن ووقّعه البلدان الجاران لإيران التي تخشى أن يتيح ذلك حضورا أميركيا على حدودها الشمالية . ووفق رأي المراقبين والمحللين فأن سيطرة واشنطن على الممر يمثّل بداية لتطويق إيران من جهة الشمال والحدّ من نفوذها في القوقاز وإعاقة وصولها إلى أوروبا عبر أرمينيا. ويرون أنّ دخول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط التفاهمات بين أرمينيا وأذربيجان كان هدفه بالأساس تأمين مدخل مهم لواشنطن لمحاصرة إيران ضمن إستراتيجية أوسع تشمل قطع الطريق أمام أيّ انفتاح اقتصادي إيراني على الخارج من جهة الشمال بما في ذلك تصدير النفط وإعطاء دفعة قوية لمفعول العقوبات الأميركية. كما يتيح للولايات المتحدة والناتو الوصول إلى بحر قزوين وتهديد إيران في حال قررت نشر قوات وأسلحة متطورة لمراقبة أنشطتهما العسكرية. وفي الاتجاه ذاته أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران “حساسة تجاه وجود اللاعبين من خارج المنطقة في القوقاز. وتابع القول “من وجهة نظرنا أي عملية لفتح المعابر أو إزالة العوائق الحدودية لا يجب أن تمس بالحدود المعترف بها دوليا أو تتعارض مع سيادة ايران . ونصّ الإعلان على إنشاء منطقة عبور تمر عبر أرمينيا وتربط أذربيجان بجيب نخجوان التابع لها غربا، على أن يُسمى “طريق ترامب للسلام والازدهار الدوليين”. وبموجب الاتفاق تحظى الولايات المتحدة بحقوق تطوير الممر المعروف كذلك بممر زنغزور. سبق لإيران وفق ما أسلفنا في مقالاتنا السابقة على الصفحة أن عارضت هذا المشروع بمبادرة تركية خشية أن يقطع اتصالها بأرمينيا وبقية دول القوقاز، ويؤدي إلى نشر قوات.” وكان علي ولايتي مستشار المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي اعتبر أن الممر مؤامرة من شأنها أن تعرّض أمن جنوب القوقاز للخطر، محذرا من أنه “لن يتحول إلى ممر يملكه ترامب، بل سيكون مقبرة لمرتزقته وفق وصفه .
تأسيسا على ماتقدم نستطيع القول ان التطمينات التي أعطتها ارمينيا لجارتها ايران والمترافقة مع التوقيع الثنائي على عدد من المشاريع المهمة وضمنها مشروع ربط استراتيجي لموانىء ايران بطريق استراتيجي يمر عبرها نحو العالم ،لايستطيع ان يلغي او يؤثر على الاتفاقية الجيوسياسية التي وقعتها الدولتين ارمينيا وأذربيجان برعاية ترامب والتي تضمنت انشاء مشروع الطريق الدولي الاستراتيجي متعدد الأبعاد الذي يحقق توافقا جديا للعلاقات الأرمينية -الأذربيجانية من جهة ، وينجز حضورا للاستثمارات الأمريكية على امتداد الطريق الاستراتيجي من جهة ثانية ، ويمنع نفوذا روسيا او صينيا في منطقة القوقاز من جهة ثالثة ، فضلا عن كونه يعطي امرا واقعا بالحضور الأمريكي العسكري المطوق لايران عند حدودها الشمالية في حالات الأزمات من جهة رابعة . أن ماتقدم يحقق عمليا خطوة جيواستراتيجية تحقق تغييرا جيوسياسيا لغير صالح ايران ، خاصة ان ذلك يتكامل مع جهود أمريكية لتطويق كل من ايران والصين عند خط الطوق الصيني الذي يمر عبر الموانىء الباكستانية نحو الموانىء الإيرانية وذلك عبر مساعي الدفع بالهند نحو قطع الطريق على الصين واستبداله بطريق الهند -اسرائيل عبر بلدان الخليج العربي وتحديدا دولة الإمارات نحو موانىء اسرائيلية عبر المملكة السعودية والأردن . لاجله نثير سؤالاً موضوعيا ربما يكون جوابه في مقال لاحق :
هل تدرك ايران طبيعة هذه المتغيرات وتتعامل معها بواقعية تدفعها لاحقا للانفتاح على تسوية شاملة مع الولايات المتحدة تتحمل ضمنا تغيير جدي في سياساتها الإقليمية الشرق اوسطية تحقق لها استثمارات ضخمة مع الولايات المتحدة تمكنها من العودة لاعبا اقليميا مهما مقبول امريكياً وغربيا ؟ أم إن غلبة الآيديولوجيا الدوغمائية وبدعم صيني ستؤدي بها إلى مزيد من الصراعات التي يمكن ان تسرع في تقويض نظامها وربما خارطتها الجيوسياسية ؟؟؟
إرسال تعليق