صباح الزهيري
يتغنى صاحبنا الثمانيني بحبه للوطن , ويتذكر ايام ألأغتراب , فهو من أجيال كانت تعطي أنفسها للوطن , في حين اصبحنا أزاء أناس يعطون الوطن لأنفسهم , وكم وثقنا بافاع تمظهرت بصورة احبة , ولم نكتشفها الا بعد ان غرست انيابها في قلوبنا , والاغتراب أن تكون بعيدا عن الأهل والأحباب في بلاد أخرى , يريد الشعراء من خلاله التعبير عن أحاسيسهم وما يخالجهم من حنين وشوق للأهل والأحباب والوطن نتيجة الابتعاد , ويعتبر امرؤ القيس صاحب هذا البيت :
اجارتنا انا غريبان ها هنا
وكل غريب للغريب نسيب
هو اول من بكى على الاطلال وأول المغتربين في الشعر القديم . الغناء حشيشتُنَا الْمُنْتقاةُ , رسائلنا الى مستوطني القلوب , سيّارةُ إسْعافٍ تُنْقذُنَا منَ السّكْتةِ الدّماغيّةِ وحسرة المستحيل , عصير القلوْبٍ التي تحبُّ الْحياةَ , الا ولّيْتُ وجْهِي صوْبَ الغناء لِأموتَ شعْراً , فلْنحب الغناء مَااسْتطعْنا, ونحن نعرف ان المغنون يتْبعُهُمُ الْغاوونَ , والمغنيات هنَّ الْغوايةُ , في بقايا طرق الغربة يقل الرفاق , وكلما قلوا اكثر استقامت الخُطى وخفَّ الاضطراب والغبار وصار للغناء مع النفس حلاوة وبهجة ,هل جربتم صغارا تلك البهجة ؟
كنّا حين نعود من الحقول او البساتين فرادى وتعتم الدروب وتتصايح الثعالب والكلاب ويلامس الخوف أعطافنا النحيلة الراعشة نرفع عقيرتنا بالغناء لتفادي وحشة الخوف , هكذا علمونا ,
اذا اوحشتك الدروب وكنت وحيدا فغن ِّ, ارفع الصوت بأقصى ما تستطيع وغن ِّ, لا شيء يطرد الخوف كالغناء , وإن خسرت فغن ِّ, لاشيء يعوض الخسارة غير الغناء , رغم ان هناك خسائر لاتحتاج لان تعوضها , فهي مجرد أعباء اثقلت كواهلنا بها سوء تصاريف الزمان . الشاعر بدر شاكر السياب تتفجر في قلبه ينابيع الغربة القاتلة والحنين الى الوطن , يكتب قصيدته الرائعة
غريب على الخليج
منادياً العراق عبر مضامين وطنية عالية التأثر , فيها من الاحاسيس ما هو أروع , يقول مخاطباً زوجته :
لو جئت في البلد الغريب إلى ما كمل اللقاء ,
الملتقى بك والعراق على يديّ .. هو اللقاء ,
الشمس أجمل في بلادي من سواها ,
والظلام , حتى الظلام - هناك أجمل ,
فهو يحتضن العراق ,
بين القرى المتهيّبات خطاي والمدن الغريبة ,
غنيت تربتك الحبيبة ,
وحملتها فأنا المسيح يجرّ في المنفى صليبه ,
وفي قصيدة أخرى من قصائده في الغربة يقول :
لأنّي غريب ,
لأنّ العراق الحبيب بعيد
وأني هنا في اشتياق إليه إليها أنادي : عراق ,
فيرجع لي من ندائي نحيب ,
تفجر عنه الصدى ,
أحسّ بأني عبرت المدى إلى عالم من ردى لا يجيب ,
ندائي وإمّا هززت الغصون ,
فما يتساقط غير الردى .
يريد صاحبنا ان يزرع قيما جمالية وانسانية ووطنية في نفوس الناس والناشئة , وان يعالج التوترات, وذلك من خلال الشعر , بلسم لجروح دامية مؤلمة خطها الزمن على صفحات اديم حياة الانسان ,
بعد يعوينتي اعليمن ,
نعد االيالي ونسهر ,
جزانا الريل بشطوط الهجر حدر ,
بعد يعوينتي اعليمن ,
لا جيه بعد منهم ,
ولا گعدات گمريه ولا ريه اتحضن ريه ,
بعد يعوينتي اعليمن ,
گتلي اشوكت گتلي ,
ظلمت دنيانا ماتنطر ,
هدمت حيلي يعرگ الشيص ,
يابردي ولك بردي ولا عنبر ,
انه الجمال والابداع والمتعه , طاقة ابداعية خلاقة تتجلى فيها النفس ويعبر فيها الانسان بما يقوله او يكتبه عن ألأغتراب . في أستذكارات ايام ألأغتراب , يعجبني الغناء خصوصا مايطرب منه , تلك صفة رافقتني منذ أيام الصبا , ومع تقدم العمر وتطور الفهم بدأت أحس ان روحي تتفاعل معه بفرح يصل لدرجة البكاء, حين عملت في روما عرفت ان الأيطاليين لديهم مثل شائع يقول :
الفرح لا عائلة له ,
وللحزن زوجة وأولاد ,
يعن علي المقام العراقي وغناء الريف وأبوذياته وزهيرياته , كما تتطاير الروح اذا سمعت صدى الأندلسيات السورية وحفلات ام كلثوم وعبد الوهاب , ويستهويني أيضا فرانك سيناترا ومطربي الغناء الريفي الأميركي وأسطواناتهم التي تركتها في العراق , ولازلت عاشقا لخوليو الأسباني , واتذكر كيف كنت أدع الكرام يصدح بهم في أرجاء البيت عندما يضيمني الضيم فأهرب لهم , وكيف مرت في الستينات أغاني نجاة الصغيرة على مشاعرنا خصوصا ( أنا بستناك ) وساكن قصادي فيزداد الحنين لسماعها لتنقلني الى ذكريات ذلك الجزء الجميل من سفرة العمر.
ماذا يفعل بنا هذا المندلاوي الجميل , ونحن نتفاعل مع نشرياته الملتاعة ؟

إرسال تعليق