مشاهدات
د. ضرغام االدباغ
كنت خلال متابعاتي للحرب الأهلية الأسبانية، وتعاطفي الشديد مع الجبهة الاشتراكية (طبعاً) وقراءتي لأسماء العديد من الشخصيات السياسية والأدبية الذين شاركوا فيها، أو شخصيات أشتهرت فيما بعد إن في فرنسا أو بلدان أخرى . ومن بين حشد كبير من الأسماء، قرأت لاحد أشهر الأسماء : الكاتب السوفيتي إيليا أهرنبرغ ، والسياسي الألماني ويلي براندت، والكاتب البريطاني جورج أورل، والكاتب الأمريكي أرنست همنغواي، والكاتب الفرنسي أندريه مالرو، والمغني الألماني الكبير أرنست بوش، والاقتصادي الإيراني شاهبور بختيار، ونطالع فيما نطالع أسم .. المقاتل هاينز هوفمان المتطوع الألماني في جبهة الجمهوريين، الذي جرح في معارك مدريد الاسطورية، ونقل إلى موسكو للعلاج، وكان هوفمان قد ربط حياته بحياة الجماهير العمالية في بلاده، فغدا قيادياً في الحزب الشيوعي الألماني، ولاحقاً عضو مكتب سياسي في الحزب الذي أصبح أسمه (الحزب الاشتراكي الألماني الموحد ــ SED) .
ولد هوفمان عام 1910، وتوفي عام 1985، وقد تدرج في الرتب العسكرية حتى بلغ رتبة فريق أول ، وزيراً للدفاع . وكنت ألمحه في المناسبات التى كنت أدعى إليها أبان خدمتي في العمل الدبلوماسي (حفلات واستقبالات دبلوماسية) وأتطلع إلى هذا العملاق بأعجاب، فأنت لا تصادف كثيراً في حياتك شخصيات أسطورية . حتى سنحت الفرصة ذات يوم، إذ أتصلت بي وزارة الخارجية الألمانية ذات يوم، وأخبروني أن بوسعي أن أقدم مساعدة كبيرة لألمانيا الديمقراطية، فهناك وفد عسكري كبير سيقوم بزيارة لعدن / اليمن الديمقراطية، وكان ذلك عام 1977 والوفد يرأسه وزير الدفاع الفريق أول هاينز هوفمان وأن نبأ الزيارة هذه غير معلنة . وقد تقرر خط رحلة للطائرة وروعي بدقة، أن يطير في أجواء صديقة، فمن برلين ستحلق الطائرة إلى فارنا (بلغاريا) ومن هناك في الأجواء الدولية للبحر المتوسط، عبر سوريا، والعراق، وعبر الأجواء الدولية حتى الوصول إلى عدن . والمشكلة هنا هي أن العراق كان قد أعلن غلق أجواءه الدولية بصفة تامة بسبب إجراء الإحصاء العام ، فنحن الآن في ورطة، ونرجوك أن تفعل ما بوسعك لأنقاذ الموقف . اشتغلت حتى الثانية عشر مساء، في مراسلات ببرقيات الشفرة مع بغداد، ومع مكتب وزير الدفاع العراقي الفريق الأول الركن عدنان خير الله.، حتى إن استحصلت موافقة خاصة استثنائية على تحليق الطائرة عبر الأجواء العراقية وتزويد الطائرة وكانت من طراز (TU 134) بالوقود في مطار بغداد . ثم أعدت جولة مراسلات أخرى مع الوزير العراقي وكانت استجاباته رائعة جداً، إذ لم يكتف بالسماح الاستثنائي بالتحليق، بل وأستقبال الوزير هوفمان في المطار ودعوته على فطور عراقي، أبلغته لوزارة الخارجية الألمانية عنه والوفد الألماني الذي تلقى هذه الأنباء بأمتنان كبير . واستحصلت على كل هذه الموافقات والترتيبات، بعد منتصف الليل وأنا في غاية الارهاق والتعب ومعي موظفون من سفارتنا نعمل منذ صباح الأمس في السفارة، وحتى هذا الوقت المتأخر، ولم ينته الأمر بعد، فلابد وبموجب التقاليد الدبلوماسية أن أحضر توديع الوزير الألماني في المطار الخاص (بضواحي برلين) الساعة الرابعة فجراً ، أي لم يتبق لي من الوقت سوى ثلاث ساعات تقريباً هرعت إلى منزلي، وأنعشت نفسي بحمام دافئ، وأرتديت ملابس جديدة، وأسرعت إلى المطار وسائقي المسكين معي، ولدينا بطاقات (باجات) خاصة لدخول المطار . وفي صالة الاستقبال بالمطار، كان الجميع جالسون، وعند دخولي نهض الجنرال هوفمان لاستقبالي معانقاً وأصر أن أجلس بجواره وخصني بملاطفته، وشكرني عدة مرات لعملي في الحصول على موافقة خاصة لطائرته . تحدثنا عن الحرب الأهلية ودهش لمعلوماتي عنها وعن مشاركته ، وفكر قليلاً كأنه يسرح بنظره لتلك السنين ... وقال لي ضاحكاً لقد أخذتني بعيداً مرتين هذا اليوم مرة إلى أسبانيا، ومرة إلى بغداد وأنا أشكرك على السفرتين ..
لم يكن هناك من الأجانب سوى أنا (القائم بأعمال سفارة الجمهورية العراقية)، وسفير جمهورية اليمن. وعلى أرض المطار كنت شاهداً على مراسيم عسكرية رائعة جداً لا تبارح مخيلتي، يقف قائد الطائرة ومعه مساعدوه بصف ويتقدم قائد الطائرة بمسير عسكري إلى الوزير، يستعد ويؤدي التحية ويقدم نفسه ورتبته، ويعرض أن خط الرحلة قد تم تثبيته وأنه ينتظر أمر الوزير بالإقلاع . فيجيز الوزير هذه الإجراءات، ويشرع بالسلام على مودعيه ويركب الوفد الطائرة حسب القدم، عدا الوزير فركب كآخر راكب كرئيس الوفد . وعند عودة وزير الدفاع من اليمن، تحدث وأسهب في أمتداح طريقة دخول الطائرة الأجواء العراقية واتصالات الطائرة مع السلطات العراقية، وهبوطها في مطار بغداد ولقاؤه بوزير الدفاع العراقي، والصداقة السريعة التي عقدت أواصرها بينهما، ولم ينسى أن ينوه مرة أخرى بجهودي في هذه الترتيبات . بعد سنتين على هذه الحادثة، كنت قد دعوت سيدة ألمانيا إلى مطعم أنيق في برلين، وبعد أن أخذنا طاولتنا، لاحظت أن الوزير هوفمان وزوجته يتناولان الطعام في الركن الآخر، وبكلمات مقتضبة أخبرت السيدة الألمانية أن هذا هو وزير الدفاع في بلادكم، وبعد دقائق أنهى الوزير هوفمان غداؤه، وحاسب النادل، ونهض ليخرج، ولدى مروره بقربي، توقف ليسلم عليّ ، وحياني بحرارة، وقال لي أما زلت في برلين، فقلت له نعم ولكن كطالب دراسات عليا (دكتوراه) وليس كدبلوماسي، فشد على يدي وخاطبني بلهجة الصديق قائلاً بأنه أختيار جيد فالمرء يبقى بحاجة للدراسة والتعلم، وشكرني وودعني بحرارة . لا أعتقد أن شخصية بهذه المكانة تتصرف بهذا الشكل الراقي الرائع إلا إذا كان نظام الدولة بأكمله راقياً. لقد كان النظام الاشتراكي شيئاً راقياً حقاً.
الصورة : الفريق أول هاينز هوفمان وزير الدفاع في جمهورية ألمانيا الديمقراطية


إرسال تعليق