صباح الزهيري
وردت كلمة الشوغة في حديث مع صديق تتكدس عليه الهموم , وقد أوردها لوصف حالة مر بها , فطلب مني ان اكتب له مقامة تصف الشوغة , ولما بحثت لم اجد لها اساسا باللغة العربية , الا اني وجدت (تشال شاغ ) بالفارسية: چالچوق وهي قرية تقع في إيران في قسم أبهررود الریفي , كما ان هناك حجر الشوغ وهو نوع من انواع الكهرب ألأسود المنتمي لحجر الكوارتز, ويعتقد انه يجلب المزيد من الحب والمودة في حياة أي شخص , وهو حجر الحب غير المشروط ويشع طاقة إيجابية هائلة , والأهم من ذلك أنه يساعد على جذب الحب وهزيمة أي حزن في حياة البشر , ويعتبر الحجر المثالي لأي امرأة عازبة تبحث عن الحب , أو لأي شخص يتطلع إلى تحسين حياته العاطفية .
الوَشُوغُ : ما يجعل من الدّواء في الفّم , وقد أَوْشَغَه , وشئ وَشْغ , بالتسكين , أَي قليل وَتْحٌ والوَشِيغُ : القليل كالوَتْحِ , وقد أَوْشَغَ عَطِيَّتَه أَي أَوْتَحَها , قال رؤبة : (( ليْسَ كإِيشاغِ القَلِيلِ المُوشَغِ *** بِمَدفَقِ الغَرْبِ , رَحيبِ المَفْرَغِ )) , والوَشْغُ : الكثير من كل شيء , عن كراع وجمعه وَشُوغٌ , وعندما تريد القول بالفارسي : الى الامام , تقدمي انا متأخر جداً (دوباره جلو , این سرم شلوغه خیلی شوغه ) , ومن ألأمثال القديمة : يبايگني نذر مواعيدك گضن شوغات اضل چم دوب اناطر باچر وعگبه , وعندما يقولون روحي لايبة , روحي مفرفحة , بزعانة , زهكانة , روحي طالعة , روحي طاكة , فهم يعنون روحي شايغة. والشوغات واحدها الشوغة , بمعنى ما يصاب به الإنسان من ألم مفاجىء , وهي تركية تكتب هكذا « SOK » بمعنى عارض يصيب الإنسان فيضعف قواه , وفي لغتنا العامية الدارجة (( لمن تضرب اصبع بالجاكوج بالغلط اشوغ روحك فتقول شاغت روحي , عندما ينغلق الباب على الاصبع وتتألم جدا او لمن نلسع بالطباخ ونتأذى نقول آآآآآخ شاغت روحي , ولمن واحد ينضرب عكسه بحافة الطاولة يقول شاغت روحي يعني رح تطلع من مكانها )) , وهناك ايضا من يقول : (( شايغه مشتقة من كلمة شايطة بالعامية وشائطة بالفصحى , والشايطة يعني محروقة ومشتعلة عشيرتها , وابدلت الطاء بالشايطة الى غين بالشايغة للضرورة الشعرية )) , كأن نقول :
(( شاغت الروح عليك مو شوغة شوغات
شوغة يتيم بليل وبلا عشا يبات ,
شاغت عليك الروحي شوغة شريجة ...
لــيـلـتــها والــمـدهـور راح الـهـذيـجــة ,
شاغت عليك الروح وينك ياغالي
مو تدري الكلب بجفاك عذب لحالي ,
شاغت عليك الروح كلش تراها
جنها تريد وياك متعوده بصباها )) .
وهناك ما قيل لـشوغة رفيق الروح : هو من يرد عليك الروح , يقرأك ككتاب مفتوح , يفهمك دون أن تبوح , حضوره يشفي الجروح , ووجهه ضاحك صبوح , ولفظه رقيق سموح , ينظر إليك بعين الحنان , ويحفظ سرك في الوجدان , يحميك دون أن تلمسك يديه , ويحفظ ودك في عينيه , يحتويك حضوراً وغياب , فكيف تكفّ الروحُ عَن الروحِ , والروحُ في الروحِ تُقيم , ولئن سألوك عن اسمك , قبل أن تحلق في أقاصيه, لقلت لهم انك قد نسيته. عندما يسكر الدرويش بشراب المحبة , ويصل الى حدود الشوغ , يصرخ : يا حلمي الجميل , كلما أطلت التفكير فيك , تاهت مني كلماتي , واختزلت بك , كل أبجديتي بنقطة في نهاية السطر, في عينيك أسرارٌ تتلاشى كلما اقتربت , كظلٍ يتبعني , ويختفي حين ألمسه , في غمار الشوق تأتي , كسرابٍ من انتظارٍ لا ينطفئ , لم تكن لحظةً , بل زمنٌ ينحني لحضورك , وأنت تأتي لا لتطفئ نار الانتظار, بل لتزيدها اشتعالًا , فكلما نظرتُ إليك , أحسست أن الطريق أطول , لأنك هو الشوق ذاته , رغبةٌ لا تعرف الاكتمال , وجوابٌ يعانق السؤال , في صمتٍ لا ينتهي , حلمٌ وحقيقة , مزيجٌ غامضٌ من الاثنين , في غمار الشوق تصبح الحدود غير واضحة , كلما اقتربتُ , ابتعدت , وكلما نسيتُ , تذكرت , كغيمة تمطر مرةً ثم تذوب في الأفق . يشوغ القلب بدونك , وحين تغيب الفراشات, ينثر أثرك على المكان , كي تعود ثملة بك , فيقف على عتبة الصمت الباكي , تخذله الألوان حين تعجز الأنامل عن رسمك , وسنابل الخفايا تراود أبواب القصيدة وتصرخ هيت لك , وأمواج الشجون لا زالت تجدف به صوب قطيع من السهر , يا أيها الرابض بين حروف التكوين , والقابع خلف نجمة ضاربة في تضاريس الحروف, تطل مكتظًا بالنور, في منتصف المسافة بيني وبين العوسج البري , بغفلة من جنوح الريح , كأنك أنت وكفى .

إرسال تعليق