الإختراق التاريخي الشيعي للعراق عبر المؤسسة الحوزوية : الجزء الثاني

مشاهدات



العلامة الدكتور حسين عبد القادر المؤيد


في تلك الفترة برز في بغداد على التوالي ثلاثة مراجع للشيعة الاثني عشرية :


1- محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالمفيد ت 413 هجري .
2- علي بن الحسين الملقب بالشريف المرتضى ت 436هجري .
3- محمد بن الحسن الطوسي ت 460 هجري .

وقد حصل هؤلاء الثلاثة على دعم استثنائي من البويهيين . فقد ذكرت كتب التراجم من السنة والشيعة أن المفيد كانت له صولة عظيمة بسبب عضد الدولة أي بسبب الدعم السياسي والمعنوي الذي كان يقدمه عضد الدولة للمفيد ، وكان عضد الدولة يقصد المفيد بالزيارة الى داره ويعوده إذا مرض . وأما الشريف المرتضى فقد أسند البويهيون له مناصب رفيعة ، فكان نقيب الطالبيين ببغداد وكان أمير الحج . وأعتقد أن دعم البويهيين لهؤلاء لم يقتصر على الدعم السياسي والمعنوي ، وإنما تعداه الى الدعم المادي ، ومما يجعلني أذهب الى هذا أن النظرية التي كانت سائدة في فقه الاثني عشرية في ذلك الوقت بشأن مصرف الخمس لا تخول المرجع فيما يسمى بعصر الغيبة أي غيبة مهديهم حسب زعمهم صرف ما يسمى بحق الإمام ، وإنما كانت تذهب الى دفنه أو الإحتفاظ به والوصية به ليكون عند شخص أمين لحين ظهور المهدي فيسلم له ، وذهب بعضهم الى إلقائه في البحر وذهب آخرون الى سقوطه في عصر الغيبة ، وهذا يعني أن المرجعية الشيعية في ذلك الوقت لم تكن تعتمد الخمس في تمشية مصاريفها ، مع أن المراجع الذين تقدم ذكرهم قد كانت لهم مصارف وبذل للمال ، وقد ذكر مترجمو الشريف المرتضى أنه كان يدفع رواتب شهرية لتلاميذه وكان قد خصص مبلغ ثمانية دنانير في الشهر لكل طالب وكان يدفع للطوسي وبشكل استثنائي إثني عشر دينارا شهريا ، فما هو مصدر هذه الأموال الطائلة ؟ أعتقد أن البويهيين كانوا يقدمون لهؤلاء المراجع دعما ماليا سخيا باعتبار ذلك جزء من مخططهم الذي تقدم ذكره .
يبدو أن البويهيين عملوا بدهاء لإيصال فقهاء فرس لسدة المرجعية الشيعية في بغداد مركز الخلافة العباسية ، و تدرجوا في ذلك فدعموا شخصيات عربية في البداية ليخرجوا من عبائتها شخصيات فارسية ، فكان الدعم للمفيد وهو عربي ، ثم للشريف المرتضى وهو عربي ، وتركز دعمهم بعد ذلك للطوسي الفارسي .


ولد محمد بن الحسن الطوسي في طوس في خراسان سنة 385 هجري ، وورد بغداد سنة 408 هجري فتتلمذ على يد المفيد ثم أصبح من خواص تلاميذ الشريف المرتضى الذي اعتنى به وخصه بعطاء شهري مميز ، وبعد وفاة المرتضى برز الطوسي مرجعا للشيعة مع وجود شخصيات علمية شيعية عربية ومن تلاميذ الشريف المرتضى حتى أن أحدهم كان يلقب بالمفيد الثاني ، لكن البروز كان للطوسي الذي دعمه البويهيون دعما ملفتا للنظر لم يتحقق لمن سبقه ، حتى أنهم سعوا عند الخليفة العباسي آنذاك فأعطاه كرسي الكلام وهو أعلى كرسي في دار الخلافة ، ومن الواضح أن الخليفة العباسي الذي هو رمز السنة لا يمكن أن يعطي هذا الكرسي لمتكلم شيعي مع وجود كبار علماء السنة في بغداد لولا ضغط البويهيين واستغلال سلطتهم في الترويج للتشيع . وكذلك وضع البويهيون المكتبة الضخمة التي أنشأها سابور بن أردشير والتي أرادوها أن تكون مركزا ثقافيا رئيسا في دار الخلافة تحت إشراف الطوسي وتصرفه . واستمر الطوسي زعيما للمؤسسة الحوزوية في بغداد الى دخول السلاجقة الذين أنقذوا الخلافة وبغداد من سيطرة البويهيين وحكمهم الطائفي . ويبدو أن السلاجقة قد أدركوا حقيقة المخطط البويهي ومراميه الفارسية والشيعية ، ودور الطوسي في هذا المخطط ، فكبسوا دار الطوسي وأحرقوا كرسيه وكتبه ، ولكنهم لم يتمكنوا من القبض عليه فهرب من بغداد وقصد النجف واستقر فيها وعلى يده تحولت النجف الى مركز للحوزة الشيعية وللمرجعية الشيعية . وبهذا الصدد هناك عدة استفهامات أعتقد أنها تكشف عن أبعاد المخطط الذي عمل به البويهيون :


لم يبادر السلاجقة سنة دخولهم بغداد في 447 هجري الى ملاحقة الطوسي ، و إنما تمت ملاحقته بعد سنتين في 449 هجري ، و هذا يعني أن الطوسي كان له نشاط واتصالات وأن المخطط البويهي كان مستمرا حتى بعد سقوط البويهيين وأن الطوسي كان رمزه البارز وقد اكتشف السلاجقة ذلك . لماذا اختار الطوسي النجف دون غيرها ، وقد كان بإمكانه أن يرجع الى بلاد فارس من حيث أتى وهو فارسي ، ولماذا لم يذهب الى كربلاء مثلا ؟ هل هناك ربط بين ما قام به البويهيون من تشييد مرقد ضخم على القبر المنسوب لسيدنا علي رضي الله عنه واختيار الطوسي للنجف باعتباره يعرف مرامي البويهيين وراء تشييد هذا المرقد والدور المعد للنجف في مخطط الاختراق الفارسي الشيعي للعراق ؟ . ما هو مصدر التمويل الذي اعتمد عليه الطوسي بعد فراره من بغداد الى النجف في تمشية حياته وجذب الطلاب والصرف عليهم وتحويل النجف الى مركز للحوزة الشيعية ؟ أعتقد أن علامات الإستفهام هذه تؤشر على وجود مخطط كان يهدف الى الاختراق الفارسي الشيعي للعراق عبر المؤسسة الحوزوية ، وقد لعبت النجف هذا الدور الذي لم تتنبه له النخب السنية السياسية والدينية ، هذا الدور الخطير الذي أخذ أبعادا نوعية بعد قيام دولة الصفويين وتحويل إيران الى التشيع بالقوة ، فتعمق هذا الاختراق وكان من أسباب التمدد الشيعي في المجتمع العراقي والذي نشر ويلاته في يومنا هذا . فهل نأخذ العبرة ونعي الدرس جيدا لا سيما في مكافحة الصفوية وإعادة العراق الى هويته ؟ .

تعليقات

أحدث أقدم