الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب على غزة !

مشاهدات

 


ياسر عبدالعزيز


لا أظن أن أحداً من الساسة أو المفكرين السياسيين والمراقبين لها قد يختلف في أن للتاريخ فواصل تغير مساره ، وتحدد خطوط وحدود العلاقات بين الفواعل في أي منطقة تشهد حادثة مهمة، ومن تلك الفواصل التي يشهدها هذا العقد من القرن .. معركة طوفان الأقصى، لا شك أنها ستبلور شكل العلاقات وحدودها في المنطقة، وربما تمتد تداعيات معركة طوفان الأقصى للعقد القادم من القرن الحالي، وربما أبعد، وهو ما ذهب إليه مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية، بيل بيرنز، الذي عد هذا الصراع الأكثر خطورة وتشابكاً الذي شهده منذ عقود .

 

غزة في اليوم التالي للحرب
منذ أيام أصدر رئيس وزراء الكيان المحتل ، بنيامين نتنياهو، وثيقته، أو رؤية حكومته، لليوم التالي للحرب على غزة، وقد اقتصرت الوثيقة على نظرته لوضع غزة بعد الحرب، ومنها احتفاظ الاحتلال بحرية العمل في كامل القطاع لمنع تجدد نشاط المقاومة، وإنشاء منطقة أمنية عازلة في قطاع غزة في الأراضي المتاخمة للمستوطنات المقامة على الأراضي المحتلة في محيط القطاع ، مع الإبقاء على إغلاق الحدود بين غزة ومصر، وهو ما يستلزم التنسيق مع القاهرة، بطبيعة الحال لمنع التهريب، من جهة، ومن جهة أخرى سيسعى الاحتلال للسيطرة الأمنية على المنطقة الواقعة غرب الأردن، لمنع تعزيز المقاومة في الضفة الغربية والقطاع، هذا على المستوى الأمني والعسكري . على المستوى المدني فيسعى الاحتلال لتشكيل إدارة مدنية من ذوي الخبرة الإدارية، وهو ما عبرت عنه الإدارة الأمريكية في رغبتها في إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية في رام الله، وربما كان ترجمت هذه الرغبة في تقديم محمد اشتية لاستقالته لمحمود عباس، وبغض النظر عما إذا كانت وثيقة نتنياهو حلماً يسعى من يستطيع أن يحققه قدر استطاعته، أو إن كانت الوثيقة ضرباً من الخيال الذي سيصطدم بواقع العمليات على الأرض ومدى كفاءة المفاوض الفلسطيني، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن غزة ما قبل طوفان الأقصى لن تكون كتلك في اليوم التالي على الحرب . وكما أن غزة لن تعود كتلك قبل السابع من أكتوبر، فإن المنطقة أيضاً لن تعود كما كانت ، لا سيما بعد دخول كل من حزب الله والحوثيين على خط الأزمة ، الأولى من خلال القصف الذي يستهدف تمركزات جيش الاحتلال، بغض النظر عن تأثيره، وسنعود لذلك وأسبابه في السطور القادمة، والثاني من خلال استهداف الملاحة في البحر الأحمر، وبغض النظر أيضاً عن تأثيره، وبين ذلك، وتلك فإن تأثيرات دخول الطرفين على خط الأزمة سيكون له تداعياته، ولعل سائل، عن الميليشيات الموالية لإيران في العراق، وأرى أنها ستستبعد من المعادلة على الأقل في الوقت الحاضر، وذلك لموقفها المتراجع بأوامر طهران من جهة، ولسابقة خبرة تعامل واشنطن معها خلال السنوات الماضية من جهة أخرى.

 

اليوم التالي للحرب على غزة وحزب الله
في الـــ 21 من مايو العام الماضي نفذ حزب الله مناورة عسكرية بالقرب من الخط الأزرق الفاصل بين لبنان والأراضي المحتلة في فلسطين، اعتبرت بمثابة استعراض للقوة من الحزب ورسالة للداخل والخارج، مفادها أن أنه الأقوى لبنانياً، وأن أي تغير في التحالفات الإقليمية لا يمكن استبعاد الحزب من المعادلة المنشئة لها، لكن عملية طوفان الأقصى غيرت فحوى الرسالة بعد أن بات على الحزب عدم توسيع نطاق الحرب والانجرار خلف رغبة الاحتلال في ذلك، رغم الاستفزازات المستمرة، بل والثمن الذي دفعه الحزب من أرواح عناصره وبنيته العسكرية، على الرغم من المكاسب السياسية التي جناها الحزب من خلال الضربات الصاروخية على المواقع العسكرية والمدنية للاحتلال، إذ اتفق الفرقاء اللبنانيين على وجوب دعم المقاومة الفلسطينية. لقد كان حجم مشاركة حزب الله في المعارك خلال الحرب على غزة تأثيراً ونتيجة، أقل من المتوقع، أو حتى من المعلن من قدرات، وذلك يرجع إلى أولاً الوضع الاقتصادي الذي يعيشه لبنان ومن ثم حزب الله، وانعكاسات العقوبات المالية، على الأقل في الظاهر، على إيران، التي قررت أن تقلل دعم أذرعها على أن يعتمد كل فصيل مسلح تابع لها على نفسه في جل موارده، والأمر الآخر، وهو متعلق بإيران أيضاً، يتمثل في عدم رغبة طهران في الانجرار إلى حرب غزة، في ظل عدم اليقين الذي يكتنف التأييد الداخلي لها، لذا، نجد أن حزب الله يركز جهوده على محاولة النجاة من الأزمة، والاكتفاء بالإنجازات الاستعراضية التي حققها، مستفيداً من الرغبة الأمريكية، في عدم توسيع نطاق الحرب، لكنه في النهاية، وبرغبة إيرانية وتفاهم أمريكي، ربما ينصاع لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1701، الموقوف، والذي ينص على انسحاب عناصره شمال نهر الليطاني، لالتقاط الأنفاس، بعد أن أجهدته الأزمة المالية والتضيق من خلال العقوبات التي تطال المقربين منه، ما يعني احتمال تغير خريطة القوة في المنطقة الفاصلة بين لبنان والأراضي المحتلة وحدودها الاستراتيجية.

 

الحوثيون والبحر الأحمر في اليوم التالي للحرب
شركة ميرسك، أكبر شركة عالمية للحاويات، أبلغت عملاؤها مع بداية شهر مارس، أنه يتعين عليهم الاستعداد للاضطرابات في البحر الأحمر التي ستستمر حتى النصف الثاني من العام الجاري، وذلك لإعادة بناء تخطيط سلسلة التوريد الخاصة بهم، هذا البيان مدفوع باستمرار هجمات جماعة الحوثي على السفن المارة بالبحر الأحمر، ما يعني مزيداً من تأخر سلاسل التوريد، بعد معاناة يشهدها العالم منذ جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا التي تبعتها، ما أثر على التجارة الدولية. ورغم الضربات الأمريكية - البريطانية لقواعد عسكرية للحوثيين، إلا أن قدرات الأخيرة العسكرية لاتزال من القوة بمكان يجعلها قادرة على الاستمرار في استهداف السفن وتعطيل التجارة الدولية، وعلى الرغم من أن صنعاء صرحت أكثر من مرة أن السفن المستهدفة هي تلك التي تمد الاحتلال الإسرائيلي باحتياجاته، إلا أن التوتر الذي يحيط بالممر المائي يجعل السفن مترددة في العبور، كما أن ربط الحوثي إيقاف الاستهدافات بتحقيق نتيجة حقيقية على الأرض في أزمة غزة، يجعل الرهان على إيقاف استهداف السفن وتعطيل الملاحة غير واضح التوقيت. في ظل هذه المعطيات، ومع تضرر اقتصاد تل أبيب، حتى مع إيجاد البديل البري، الذي لا يمكن أن يوازي ما تحمله السفن عبر البحر الأحمر بأي حال من الأحوال، أن تضغط تل أبيب مستفيدة من اقتراب الانتخابات الرئاسية في أمريكا، لكي تقوم الولايات المتحدة بتوجيه ضربة تفقد الحوثي قدراته العسكرية، ولعل العمليات العسكرية في الحديدة في 2018 قد تكون شاخصة حينها كنموذج يمكن تطبيقه، مستغلة في ذلك أن تكون هذه الضربة خادمة لجيران الحوثي، من جهة، وفرصة للقوات الأمريكية لتعيد تمركزها بشكل أكثر جدية في البحر الأحمر والخليج العربي، لاسيما وأن إيران خلال العام الماضي قامت بما قام به الحوثي، ما يعني أن الدفع لتوجيه ضربة استراتيجية أمريكية للحوثي سيغير الجيوسياسية والجيواقتصادية للمنطقة وقد يفرض واقع جديد في مفاوضات الحوثي مع الحكومة الشرعية من جهة ومع السعودية من جهة أخرى .

 

الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب على غزة
لعل سيناريوهات كثيرة تطرح في اليوم التالي للحرب على غزة تستشرف شكل الشرق الأوسط، منها أن يستمر الصراع على المستوى الإقليمي ويتوسع، وهو متوقف على قدرة أمريكا على إنهاء الملف النووي الإيراني، أو أن تشجع إيران حلفاءها على التصعيد ضد الأهداف أمريكية و"الإسرائيلية" ما يعني مزيد من زعزعة أمن المنطقة، وهو ما لا تقبل به أمريكا على الأقل في الفترة المتبقية من عهدة بايدن، وهو السيناريو المحتمل فيما لو لم تتحصل إيران على ما يرضيها في ملفي النووي والصواريخ البالستية، بالإضافة إلى مزيد من النفوذ ومساحة أكبر على المستوى الاقتصادي، أو أن ينتهي الأمر إلى حل دبلوماسي بمشروع يتضمن حل الدولتين، وإن بقيت عقبة دمج المقاومة في إدارة الدولة الفلسطينية الجديدة كأود أمام هذا الحل، لكنه غير مستبعد، إذا أبدت المقاومة مرونة أكبر في ظل احتياجات القطاع للإعمار وإعادة التأهيل، وإن كنت أميل إلى السيناريو الأخير، لكن المنطقة بأي حال من الأحوال لن تعود كما قبل السابع من أكتوبر وستتشكل علاقات أكثر وضوحاً ربما تجد رفضاً جماهيريا قد يفضي إلى حراك شعبي رافض لكل هذه السيناريوهات.




تعليقات

أحدث أقدم