مقامة الترييف :

مشاهدات



صباح الزهيري 

 


يقول الشاعر عبد الحميد شكيل : (( حزن تمدد في المدينة , كاللص في جوف السكينة , حزن طويل كالطريق من الجحيم الى الجحيم)) .

ظهر المجتمع المدني الحديث في أوروبا بالتزامن مع نشوء الطبقة البرجوازية, مرورا بتأثير الثورة الصناعية التي أفضت إلى (تمدين الريف)  بفعل انتقال الحياة الصناعية إلى الأرياف, وما أحدثه ذلك من تحول ثقافي (الثقافة الفردية بدل الروابط التقليدية كالأسرة والعائلة الكبيرة ) , وسياسي (الديمقراطية الليبرالية وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية ... إلخ) , في حين حدث العكس في العراق , جاء الريف الى المدينة وفرض عليها قيمه , ففي عام 1918 اصدر الاحتلال البريطاني قانون العشائر  الذي جعل من العشائر كياناً مستقلاً يعالج مشاكله وتحدياته عن طريق أعرافه وليس عن طريق قوانين دستور الدولة , في الوقت الذي كان الريف البريطاني والفرنسي وسواه خاضعاً لقوانين الحكومة المركزية الذي اصدرته المدينة بعد الثورات البريطانية 1688 والفرنسية 1789 , فضيّع البريطانيون والمؤسسة الملكية على الريف العراقي فرصة الاستفادة من انتاج المدينة المعرفي , وأصبحت المدينة العراقية عملياً خاضعة للاعراف العشائرية السائدة في القبيلة القريبة جغرافياً من المدينة , ولما يقرره شيخها , لقد يسّرَ  قانون العشائر الصادر عام 1918 على البرلمان العراقي عمله في اضفاء الشرعية على سندات الطابو التي باشر البريطانيون منحها لرؤساء العشائر , والنفخ في صورتهم كطبقة اجتماعية جديدة هي : طبقة الاقطاع مالكة الاراضي الزراعية في الريف , في الوقت الذي تحتاج المدينة - لكي تصبح مدينة بالمعنى الحديث للمدينة - الى طبقة اخرى : اسمها البرجوازية لها مهمات حضارية اخرى لا يمكن إنجازها في البداية الّا داخل المدينة : الشيء الذي لم يحدث في العراق . 


بغداد الملحمة المجيدة في ارض العراق , واسطورة السحر والجمال على مر التأريخ , بغداد التي عُرِفَتْ باكثر المدن شهرة في العالم القديم والحديث بعظمتها ورقي اهلها , بغداد التي يحتضنها نهري دجلة والفرات وتزينها بساتين النخيل وضفاف ابو نؤاس , وحكايات الف ليلة وليلة والبساط السحري , بغداد التي كانت على الدوام عاصمة العراق ودرته منذ تأسيسها , وكانت موضع إهتمام الحكام على إختلاف مشاربهم ونهجهم ,المدينة الجميلة الوادعة مدينة السلام يتم تشويهها وتغيير معالمها لطمس هويتها ومجدها عن جهل احيانا , وعن قصد احيانا كثيرة من قبل الطارئين عليها . لماذا هذا التشويه لجمالية المعمار العام لمدينة بغداد , ولم السكن الاعتباطي في احياء عشوائية غير نظامية ؟ ولم هذه الصرائف المصنوعة من التنك والطين , حتى ان بعضها لا تضم مرافق صحية , ولا تحتوي شوارعها على مجاري لتصريف مياه القاذورات , ولم تحاط هذه الخرائب بالمستنقعات وأكداس الزبالة من كل جانب . لقد تم بناء النسيج الحضري المعاصر لمدن العراق خلال القرن العشرين على وفق معايير اجتماعية وثقافية رصينة جسدت القيم الفكرية والجمالية لهذه البلاد العريقة , ويعود الفضل لهذا البناء الحضاري الثقافي الى اهل هذه المدن من ذوي الطبقة المتوسطة , ذات القيم الفكرية والاخلاقية العالية, وهذه الطبقة تتوسط بين الاغنياء والفقراء , وتضم فئات الموظفين والمعلمين والضباط والاطباء والمهندسن والمحامين والادباء والفنانين وصغار التجار والصناعيين وغيرهم ممن لديهم موارد ثابتة او كافية للعيش بكرامة , وهم من غير المحتاجين او المعوزين , ولايطمحون بالغنى الفاحش لكونهم قانعون ومتدينون دون غلو لايمانهم بالله مع عدم اهتمامهم بالتفاصيل والتفرعات الدينية , وليس لديهم اي اهتمام بالطوائف او القوميات, محبون لبعضهم ,كارهون للأنانية والطمع , ولا ينتابهم القلق من الحاجة في المستقبل , ولا اللهاث وراء المال , وقد حافظت الطبقة المتوسطة هذه على السمات الاساسية لمدن العراق رغم اختلاف انظمة الحكم المتعاقبة عليها . 

 

بعد الغزو الأمريكي فقدت المدن العراقية ابسط مستلزمات الحياة , وعانت من الفساد والاهمال, وتفتقر الى الماء الصالح للشرب والى الكهرباء عصب الحياة , اضافة الى النقص الخطير في عدد المدارس والمدرسين والافتقار الى الرعاية الصحية والخدمية , مع انتشار العشوائيات , وفوضى الطرق ومستلزماتها , والاخلال بالنظام العام دون حسيب او رقيب حتى صنف العراق من قبل منظمة الشفافية الدولية على انها من بين أكثر البلدان فسادًا في العالم . دفع الافتقار للامن والامان لهجرة الكثير من سكان المدن الاصليين , فاصبحت مرتعا للمافيات وتجار المخدرات , وزحف عليها عشرات الآلاف من المناطق الريفية والبدوية بعد نزوح اهلها , وهكذا تم ترييف المدن التي زحفت البداوة اليها , فانتشرت العادات القبلية والعشائرية البعيدة عن التمدن فيها , وانحسرت كل مظاهر الحضارة والرقي عنها بعد غياب التخطيط العمراني والبنى التحتية وانتشار البسطيات واطفال الشوارع والمتسولين وكثرة النفايات وانعدام منظومات الصرف الصحي وتدمير المنشآت المدنية والثقافية وسرقة الأثار والنفائس التاريخية , فاصبحت مدن متداعية بكل معنى الكلمة . وسمحت الدولة الجديدة للطارئين بالتجاوز على المدن والتحرك بحرية في البناء بعيدا عن التخطيط , وتخريب ماتبقى من شوارعها واحيائها , واصبح الكثير منهم فوق النظام والقانون , فاختفت مظاهر المدنية وتقهقرت امام عملية الترييف والبداوة المتواصلة , واستبدلت هويتها الوطنية العامة بالانتماء العشائري والمناطقي, والتعصب الديني والطائفي . ان الحاق الاذى للنظام المدني في العراق لا يقصد منه تشويه سمعة هذه المدن وطمس تأريخها المجيد فقط , بل ومن خلال ذلك إضعاف العراق وإنهاكه وتدمير مستقبله, ولكن كلنا يقين ان العراق الذي استعصى على الاعداء على مر الزمان , سيرى النور مجددا بعد الظلام الدامس الذي غلف مدنه بغلافه القاتم , وسيعود الى سابق عهده وستبقى مدنه حاضرة الدنيا , وجميلة الجميلات بسحرها والقها وعظمتها .

تعليقات

أحدث أقدم