دور الثلاثي : سقراط ـ أفلاطون ـ أرسطو في إثراء الفكر السياسي الإغريقي

مشاهدات

 

د. ضرغام الدباغ

 

نطل على القراء بين الحين والآخر بموضوعات العلوم السياسية / والاقتصاد السياسي، بهدف لا أخفيه: ذلك أعتقد إننا يجب نحرص على تكوين وعي سياسي قائم على العلم، وبه وحده، بالعلم، سندحر ظلام الخرافات والجهل، كلما فتحنا نوافذ أكثر، كلما دخل الهواء النقي رئاتنا، كلما أشعلنا شمعة جديدة، تطلق الخفافيش لسيقانها الهزيلة الريح .. لا أقلل من أهمية موضوعات النضال الدامي اليومي الذي تخوضه الشعوب في كل مكان، بل ينبغي خوض المعركتين في آن واحد ... فقد قال أحد الفلاسفة: طوبى لمن يشعل في ظلام الليل شمعة ..!

نضال دام وأي نضال ...!

*************************

مدخل :

من أجل فهم دقيق لتطور الفكر السياسي الإغريقي ودوره في تسامق هذا الفكر كان في البدء الحضارة الرافدينية، ثم حضارة وادي النيل، اللتان أثرتا تأثيراً مباشراً في إغناء الفكر الإغريقي، ومن ثم جاء الرومان بإضافاتهم ولمساتهم على هذا الفكر فأكتسب المكانة المهمة في تاريخ الفكر السياسي . ومن أجل ذلك بالضبط كان لابد من استعراض المقدمات السياسية والاقتصادية والتاريخية لنشوء الحضارة الإغريقية وظروف تطورها، وتأثيرات هذه العوامل على اكتسابها لخصائصها المميزة من جهة، كما مهدت من جهة أخرى لنشوء وتطور فكر سياسي إغريقي ومنحته سماته المميزة . وأيضاً إلى إلقاء الأضواء على تأثير الثقافة والحضارة الرافدينية على الثقافة والحضارة الإغريقية من جهة، وتأثير الثقافة والحضارة الإغريقية على الثقافة والحضارة الرومانية من جهة أخرى، وما نجم عن هذا التأثير، فالرومان أضافوا إلى الفكر السياسي الإغريقي الجانب القانوني، ويتزاوج الفكر الإغريقي والروماني، أكتسب الفكر السياسي إمكانيات التطبيق، وهو ما سيختص به بحث غير هذا .

 

بدايات الدولة ـ المؤسسات ـ الفكر :

علمنا إذن أن دول المدن كانت الصيغة التاريخية لتطور العلاقات الأرستقراطية القبلية بالدرجة الأولى، فقد تطورت العلاقات الاجتماعية / الطبقية في بلاد الإغريق بسرعة، وكان لا بد أن يكون لذلك التطور انعكاسه على القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وعلى جميع مؤسسات المجتمع في تلك الحقبة باعتبار أن الأشكال الاقتصادية / الاجتماعية وعلاقات الإنتاج ذات التأثير الأهم على التشكيلات السياسية وعلى أنماط التطور على صعيد الفكر أو على صعيد تطور المؤسسات اللاحق . وعلى هذا الأساس، فقد بدأ النظام المشاعي البدائي السائد في بلاد الإغريق بالتفسخ في الألف الأول قبل الميلاد، وبتأثير تلك العوامل الهامة في تطور القوى المنتجة وعلاقاتها ، وعلى أساس من التفاوت في حجم الملكيات (الأرض ـ العبيد ـ حيوانات الرعي) بدأت العشائر تنشطر إلى عائلات(أفخاذ) وبدأت تقيم ما يسمى في الشرق بالمشتركات بين أفراد أو اتحاد القبائل . ولكن تلك العلاقات الأرستقراطية القائمة على التقسيم العشائري تعرضت تدريجياً إلى الانحلال وظهرت أشكال أخرى للتقسيم تقوم على أساس التملك والأسس الإقليمية ، وحلت المؤسسات العشائرية حتى تأسست الجمعية الشعبية واكتسبت مجلس الزعماء طابعاً أرستقراطياً وقد تجلت السمات الأساسية لهذه العملية في القرن الثامن والسابع ق.م. وإذا كانت المجتمعات في آسيا وأفريقيا قد تميزت بالعبودية كقاعدة، بميزة انتشار الدولة الاستبدادية المركزية، حيث كانت ملكية الدولة للأرض والمياه مرتبطة ارتباطا وثيقاً بمشاعيات الكادحين الأحرار، أما في اليونان، فإن شكل الملكية العبودية يعتمد على شكل المدينة/ الدولة ويتماثل مع مفهوم المشاعية، ولم تكن هناك مشاعية الشغيلة كما في الشرق(فيما يطلق عليه: النمط الآسيوي للإنتاج)، بل مشاعية ملكية العبيد، وكانت المدينة/ الدولة محاطة بالأسوار( وتلك كانت مسألة مهمة) ولكنها تضم السكان في الوادي المجاور أو الجزيرة المتاخمة وكان السكان يلتجأ ون إلى أسوار المدينة في حالة الخطر.

 

وقد لاحظنا أن دول المدن لم تكن تختلف من حيث عدد السكان ومساحة دولة المدينة فحسب ، بل أن التفاوت كان شاسعاً في بعض الأحيان . فعلى سبيل المثال لم تتجاوز مساحة دولة كورنتس عن 880 كم مربع ، فيما بلغت مساحة أكبر دولة يونانية وهي اسبرطة 8400 كم مربع ، أي عشرة أضعاف تقريباً، وأنها كانت تختلف أيضا من حيث النظم السياسية . فقد تعرفت دول المدن الإغريقية على أشكال مختلفة من الأنظمة، وكان ذلك مهماً في تكوين الفكر السياسي لدى أفلاطون، إذ تعرفت اليونان في باكر عهودها على نظم أرستقراطية/ قبلية ، ثم أنظمة طغيانية مثل دولة الطغيان في جزيرة ساموس في النصف الثاني من القرن السادس ق.م (وهو تاريخ سابق لبلاد أفلاطون)، فيما مثلت دولة اسبرطة على الدوام دولة ديكتاتورية العسكريين، ومالت أثينا إلى النظام الديمقراطي، ولكن على شاكلة الديمقراطية الإغريقية التي يختص ويتمتع بها المواطنون الأحرار فقط، ولكل من هذه التجارب ظروفها وأسبابها التاريخية والعوامل التي دفعت إلى هذا الاتجاه أو ذاك . وتجربة أثينا الديمقراطية رغم أنها مقتصرة على الأشراف والوجهاء فقط ، ورغم أنها دارت في مساحة صغيرة (دولة / مدينة) إلا أنها تستحق الإشارة إليها، فقد شكل مجلس الخمسمائة الحاكم في أثينا سلطة عليا مؤلفة من خمسين فرد من القبائل العشرة المكونة لدولة أثينا تبعث بهم إلى المجلس، وهو أشبه ما يكون بالبرلمان ولكن هناك هيئات حاكمة أخرى مثل المجلس التنفيذي (الحكومة) ، مختار اختيارا شعبياً ومسئول أمام جمعية المواطنين، ومحلفون مستقلون مختارون برأي الشعب كذلك. ومن وراء هذه النظم (كغيرها من النظم) فلسفة تعبر عنها ومثل عليا تستهدف تحقيقها، كما لابد من الإشارة إلى أن العسكريين كانوا يتمتعون بسلطات هامة تتجاوز كونهم قادة عسكريون(لا سيما في العهود اللاحقة، في عصر الإمبراطورية) كان تأثيرهم بارزاً في الجمعية الشعبية وفي المجلس التنفيذي .

 

وتعد إصلاحات سولون  )Solonولد عام 560 ق.م ـ توفي عام 640ق.بالغة الأهمية، فهو مدون ومشرع قوانين أثيني، وهو الذي ألغى ديون العبودية وقدم قوانين سولون التي انطوت على الحقوق السياسية وقوانين الخدمة العسكرية مندرجة حسب المداخيل،  بالغة الأهمية على صعيد تطور الفقه القانوني. ولكن الفكر السياسي والقانوني لدولة المدينة تعرض للاهتزاز بفعل عوامل كثيرة، الأمر الذي تحتم معه قيام دولة كبيرة بقيادة المقدونيين، فيليب ومن بعده ابنه الأسكندر الذي تولى أرسطو تعليمه وتدريسه. ويوافق الأستاذ جورج سباين( ومع أنه قليل الاعتبار للعوامل الاقتصادية) أن دوافع التغيرات والإصلاحات هي في جوهرها اقتصادية، فقد يدور البحث عن أنظمة واتجاهات ومبادئ سياسية، ولكن الشأن الرئيسي هو اقتصادي، إذ يقول الأستاذ سباين وهو من مشاهير علماء السياسة المعاصرين : " وكان مدار البحث هو: هل تدور أرستقراطية قوامها الأسر العريقة المالكة للأرض، أو ديمقراطية قوامها المصلحة المتصلة بالتجارة الخارجية وهدفها تدعيم قوة أثينا في البحار ؟ وقد فاخر سولون بأنه قصد بتشريعاته، المعاملة العادلة بين الأغنياء والفقراء". ومن الضروري الإشارة ولو على نحو سريع إلى مصدرين، كانا على الدوام محور أفكار العلماء والفلاسفة وهما : 

الطبيعة  : وهي القوانين الإلهية التي يأمر بها الرب عن طريق ممثليه . 

والأعراف : وهي ما تعارف الناس عليه من نظم كتقاليد غير مكتوبة إلا أنها ثابتة ومحترمة بصورة جماعية أو شبه جماعية، وهي الأخرى اكتسبت قوة القوانين، فجرى تدوينها كذلك أو بقيت عرفاً معروفاً يجري تداوله واحترامه بوصفه ضرورة أحكام جرى الاتفاق عليها اكتسبت قوتها من خلال موافقة المجتمع عليها والعمل بأحكامها. فتلك كانت أيضا واحدة من المعضلات التي واجهت المفكرين والفلاسفة . ومن ثم فإن القوانين على اختلافها ومنها القانون الأساسي (الدستور) والمفاهيم المتصلة به ، كانت موضع اجتهاد المفكرين والفلاسفة ، وموضع مجادلات ومناقشات لا نهاية لها . وعلى هذا النحو، فقد اعتبرت مفاهيم عديدة هي من قبيل القوانين الطبيعية كالمساواة والعدل فأخذوا يتفلسفون بها ويذهبون مذاهب شتى ، وغاصوا في قوانين الطبيعة حتى غدت جزءاً أساسيا من الفلسفة السياسية وما برحت الحقوق الطبيعية  ، والقوانين الطبيعية، والأعراف والقوانين الوضعية(تلك القوانين التي وضعها الإنسان) بؤرة تثير المناقشات والجدل في الفلسفة السياسية وعلى مدى القرون . وفي غضون هذه العملية التي كان رحاها يدور في حلقات الفلاسفة والمفكرين ولكن أيضا ما كان يدور ويتطور ويعدل ثم يتعرض للتغير والتحسين من أنظمة حكم دفعت الإغريق إلى منهجة المعرفة (الفكر) السياسية ضمن الحدود التالية :

1 . تعدد وتنوع أنظمة الحكم بأشكالها وأنواعها المختلفة .

2 . الصراعات الداخلية وبروز الديمقراطية، والصراعات بين الفئات الاجتماعية والدول الإغريقية .

3 . المقتضيات العملية للحكم ، وهو ما كان الحكم يحتاجه ليلبي حاجات الناس .

4 . الآفاق الدولية ، علاقات الدولة الخارجية وتحدياتها سلماً أو حرباً .

 

وبالإضافة إلى التأثيرات الخارجية، الشرقية السومرية والبابلية والآشورية/ أو الفارسية / الفينيقية، فقد مثل السفسطائيون عنصراً مهماً في الاقتراب من النظرة العلمية . والسفسطائيون لم تكن لهم فلسفة، بل كانوا يقومون بتدريس وتعليم الناس مقابل أجور. ولكن لهم الفضل في اكتشاف مادة أولى ثابتة للتغيرات الطبيعية، وهكذا انصهرت في بوتقة الفلسفة السياسية، أصعب النظريات السياسية وأشدها إيهاما وهي النظرية الطبيعية التي نوهنا عنها. وقد شهدت تلك الفترة تخبطاً واضحاً بين دعاة الحقوق الطبيعية ، والأعراف والقوانين التي تشرعها الدول، ومن ابرز ما نلاحظه من تخبط في رأي السياسي السفسطائي أنطيفون " أن القانون هو مجرد تعارف واتفاق ومن ثم كان مضاداً للطبيعة ، ومع ذلك فإن أفضل وسيلة للحياة هي أن يحترم المرء القانون أمام الناس" والأفكار الأساسية ، أو لنقل البدايات الفلسفية التي طورت فيما بعد على يد أفلاطون ، إنما كانت نويات متناثرة ، فقول الفيلسوف تراسيماخوس Thrasymachus " أن العدالة ليست إلا مصلحة القوى ، إذ أن الطبقة الحاكمة في كل دولة هي التي تضع القوانين التي تراها أحفظ لمصالحها، والطبيعة هي حكم القوة وليست حكم الحق" ويذهب فيلسوف آخر هو كاليكلس   Callicales إلى اقرب من ذلك بقوله " أن العدالة الطبيعية هي من حق الرجل القوي، وأن العدالة القانونية هي ذلك الحاجز الذي تقيمه جماعات الضعفاء لحماية أنفسهم" 

1

في البدء كان سقراط 

وسقراط (ولد عام 470 وتوفي 395 ق.م في أثينا) كان أول فيلسوف يرجع إليه الفضل في جميع هذه الحبات المتناثرة ومحاولة صياغتها في إطار فلسفة واضحة، فقد حاول من خلال محاوراته مع تلامذته بصفة خاصة، الارتقاء بمستوى الفلسفة، وتلمس المناهج من أجل التوصل إلى ذلك، ولكنه سقط ضحية الوشاة، فحكم عليه بالإعدام بتناول السم، فلم يخلف أثراً كتابياً، ولكن تلميذه أفلاطون ضمن مؤلفاته أفكار أستاذه . ومن ابرز أفكار سقراط التي كان يدعو تلاميذه إليها، هي العدالة واحترام القوانين سواء كانت هذه قوانين طبيعية الهبة أم من صنع الحكماء، والارتباط بالقانون كتعبير عن مدى صلاحية المجتمع وكقياس لفضائله. وقد مثل سقراط الرمز والمثال الذي يحتذي به كعالم وفيلسوف في رفعة وسمو الأخلاق، بل فقد أعتبر الفضيلة هي المعرفة ، بما في ذلك الفضيلة السياسية، ولعل من هنا كان تأثر أفلاطون الشديد بأستاذه ، حيث أعتبر الفيلسوف هو أكثر الأشخاص تأهيلاً لقيادة الدولة، بل قيل أن سمو أخلاقه لم تسمح له حتى بمحاولة الهرب والإفلات من حكم الإعدام فتجرع كاس السم بين تلاميذه بكل شجاعة معبراً عن الانصياع للقانون ، وإن كان غاشماً سالباً لحياته ، وأننا سنجد أن أفضل تلاميذه أفلاطون سيبقى متأثراً برفعة وسمو أخلاق أستاذه، ولكن الأستاذ سباين عبر عنها قائلاً " ولا نعرف بدقة النتائج التي انتهى إليها سقراط في الشؤون السياسية ". ولعل الأستاذ سباين بذلك يريد أن يعبر عن اعتقاده أن المبادئ السياسية التي نجدها في جمهورية أفلاطون هي في الحقيقة من تأثير سقراط على تلميذه أفلاطون، وعلماء السياسة المعاصرين ومنهم الأستاذ جورج سباين، لا يريدون أن يقوضوا بناءاً عالياً شيد على أساس: سقراط ـ أفلاطون ـ أرسطو


تعليقات

أحدث أقدم