مقامة دنيا غريبة :

مشاهدات


 صباح الزهيري 


حيث ان ((الشيطان في سعيه لتحقيق مآربه, قد يلجأ لترتيل الكتاب المقدس)) , كما يقول  وليم شكسبير, بات اللصوص هم الذين يقرأون علينا الكتب المقدسة وعليه فإننا سنعيش نفس العام المارق ونفس الشهر الأمرقْ ونفس اليوم اللعين ونفس اللحظة الألعنْ, ورأينا كيف كانت دعاية وكلاء ألأميركان تروج ان هذا القرن هو زمن الكون الآخر, والإنسان الآخر , والحبر الذي يكتب ما سيبدعه إنسان جديد, ليس نحن المقصيين بالطبع , أنسان لا تقيد عقله أغلال الجهل وحبال الحاجة, ولكننا وجدنا ان الكون ألآخر هو ماكان سائدا في القرون الوسطى, زمن المتخلفين الذين ما زالوا لا يعرفون عن الأرقام سوى أنها جدول حساب , أين ذهب زمن جواد سليم وفائق حسن والجواهري والبياتي وعلي الوردي ومن أين جاءنا المكبسل والمفخخ والسطاي والخاطف واللص والقاتل والتافه والمسطح والارعن ؟ كيف تم انتاج هذه الحثالات؟ ومن أين جاء هذا العقم العام ؟ وكيف أننا أضطررنا للتظاهر بالجنون ليتسنى لنا العيش المشترك , والا سيفردوننا كدخلاء على المجتمع , وهكذا اصبح حفظ المسافة في العلاقات الإنسانية مثل حفظ المسافة بين العربات أثناء السير فهي الوقاية الضرورية من المصادمات المُهلكة .

 

عام 2003 وبعد أحتلال البلاد , تم فصلي من الوظيفة , وحرمت من راتبي وكافة حقوقي المترتبة من خدمتي في الدولة لمدة 35 سنة , المشكلة أنني عندما توقفت عن العمل  كان عمرى 53 سنة, وكنت في اوج عطائي وموعود بالترقي لمكان مرموق , وهذا هو الذي جعل الدموع تنز من كل خلية في الجسم الا العيون جراء ما أصابني والبلد , فلا ينام من كان في صدره فجوة لاهبة , ومن هنا ابتدأت لدي مشاكل الضغط ومن ثم السكر , وفي بعض الأحيان يحدث لي دوار . بمرور الوقت , لم أعد أعرف الأماكن خارج مسارى اليومي , وبعد هوجة التغييرات الأساسية في الطرق والمباني , أصبحت خريطة المدينة التي في ذهني  قديمة ولا تطابق الواقع , ففضلت الأ أقود سيارتي لمسافة طويلة , وأعتمد على قدمي في الذهاب إلي الأماكن المختلفة , اما بالنسبة للأماكن البعيدة فقد حاولت أكثر من مرة إستخدام سيارة الاجرة  وكانت السفرة غالبا ماتشد الأعصاب وتنتهي بفوران الدم , أستسلم فيها وأدفع ما يطلبة السائق , دون حوار رغم تأكدى أنه قد تمت سرقتي , وفي مرتين مرضت بعدوى من السائق إما بالإنفلوانزا أو كورونا , في نفس الوقت , وكما اني لا اثق في الوسائل المستحدثة لطلب المستلزمات عبر ( أون لاين ) ولا استخدمها , فلم أقتنع بالموضات الجديدة نتاجات العالم الأمبريالي المهيمن , وخلال ال20 سنة فقدت مهارة معرفة مسارات خطوط النقل , أو الميكروباصات وعانيت فيهما عذاب الصعود والنزول فلم أكرر ذلك , النتيجة أنني يوم  بعد يوم أصبحت أفضل الجلوس في المنزل وعدم مغادرته سواء منفردا أو مصحوبا بأخرين , حتى المقهى المفضل لا أذهب إليه إلا مرة أو مرتين في الشهر , وأشعر هناك بالضجر . الدكتور الذي اراجعه بشكل دورى  يلح علي أن أبذل نشاطا ما , إنزل إتمشى في الشمس بالشوارع حول المنزل لمدة لا تقل عن نصف ساعة , ولكن الأرصفة إما مشغولة أو مكسرة , والمشي في الشارع ( حتى قرب الرصيف ) مغامرة محفوفة بالمخاطر مع السادة سواق الموتسكلات , والأتوبيسات , والميكروباصات, لذلك فضلت الحركة في الشوارع الداخلية , التي إمتلئت بناس لونهم طيني لعدم الإستحمام , ولا يتورعون عن مضايقة شخص مسن مثلي حين يطلبون الحسنة بإلحاح , فضلا عن كمية هائلة من الكلاب والقطط بعضها عدواني ينبح علي الغرباء , لذلك عندما أسير في شوارعنا أتجنب تجمعات الكلاب , هكذا نتمشى أحيانا في الشارع أو نقعد في المقاهى والكافتريات أونذهب في رحلة الى شارع المتنبي في بغداد او معارض الكتب , الا انه بمرور الوقت أصبحت أكسل أن أتجول كل يوم في نفس المكان . وبعد ان انتشرت ثقافة المطاعم ألأميركية والكافتريات والمقاهي ذي الخدمة السريعة , كنت أتشمس او اجالس ألأصدقاء في كافيتريا أو مطعم ولو اني متعود منذ زمن بعيد ألا أتناول طعام من خارج البيت خصوصا البيتزا والكينتاكي والشاورما , والآن الفلافل  بعد أن تغير طعمها , وفي نفس الوقت أتجنب الأطعمة المحفوظة أو المياة الغازية أو الكحول بحكم حالتي الصحية , وفي كل يوم يزداد يقيني أنها ليست آمنة أو نظيفة لذلك من الصعب أن اذهب لمطعم إلا إذا كان مشويات أو سمك , على الرغم انه في أيام الزمن ألأميركي الأغبر هذه , اصبحنا نجد الغش في افضل الأماكن ,  حيث تطبخ لحوم الكلاب والحمير او تشوى وتتحول لتكة وكباب, والسمك الذى على وشك الفساد أثناء النقل خصوصا في الصيف يقدم بأعلى الأسعار بسبب ألأتاوات المفروضة والخدمة و إرتفاع التكلفة, فاصبح تناول الطعام خارج المنزل لمن يملك الملايين , ويضمن إستمرار حصولة عليها , أى شخص لا يعتمد علي معاشه الذى تنخفض قيمتة الشرائية , كلما طبعوا نقودا لتغطية عجز الموازنة .

 

المشكلة ألآن حتي في البيت أشعر ايضا بالملل ,أتجنب ان أشاهد أى محطة تلفزيون تنطق بالعربية محتفظا برأسي في مكانها, ولا أسمع الأخبار التي كلها مزورة , ولا يهمني من مات ومن عاش ومن جاع ومن مرض , ومن الذي سيحل مشكلة لاحل لها , ومن الذي عقد المسائل , وقلت فترات استماعي للموسيقى والمقامات والأغاني القديمة , ونادرا ما أتحدث في التليفون , قد أشاهد مباريات كرة القدم وأنفعل وأحلف بإني لن أتفرج بعد ألآن وسرعان ما أجد نفسي أسأل عن موعد المباراة التالية ,أصبحت زيارات المعارف وألأصدقاء نادرة لأن كل منهم مشغول بمشاكله وصعوبة العيش زمن الغيلان , اشعر ان الدنيا تغيرت وليست على مقاسي , فاليوم يمر مملا , بعدما بقيت مسنا قليل الحيلة , شبه المحبوس في منزله لا يعرف الفرق بين يوم السبت والثلاثاء أو الخميس فكلها متشابهة , أنتظر بصبر نافذ أن تنتهي مدة عقوبتي على هذه الأرض وأخلص من هذا المكان الشرير الطارد للبشر .  كنت أظن ان كتم الاحزان والخيبات انتصارا , حتى تراكمت لتجعلني شخصا هشا مهزوما امام نفسه بعد ما تحولت هذه الاحزان الى آلاما جسدية لم تفارقني , فبانت على سطح الوجه شقوقا كنهر تصحّر , رغم هستيريا الضحكات المكبوته التي كانت صرخات وجع , المشكلة الا احد يصطف مع العقل , لأن غياب التحليل العقلي للأمور يسهل من سيطرة اصحاب المصالح والثروات على عقولنا ويشكل ثقافتنا , ان الأكثر رعبًا من العمى , هو أن تكون الوحيد الذي يرى . تراودني دائما مقولة د. أحمد خالد توفيق (( أود أن أبكي وأرتجف وألتصق بأحد الكبار ولكن الحقيقة القاسية هي أنني أحد الكبار)) .

تعليقات

أحدث أقدم