مقامة المراثي :

مشاهدات



صباح الزهيري 


من أخلاق العرب انهم كانوا لا يرثون قتلى الحروب , لأنهم ما خرجوا إلا ليُقتلوا , فإن بكوهم كان ذلك هجاءً أو حكمه, ولكن الرثاء لمن يموت حتف أنفه, أو يُقتل في غير حرب من حروب التاريخ , كالغارة ونحوها, فحينئذ يعددون المآثر ويبالغون في الفجيعة كأن هذا الموت غير طبيعي فيمن يستحق أن يموت . يقول محمود درويش : ((ما هو الوطن, ليس سؤالا تجيب عليه وتمضي, إنه حياتك وقضيتك معاً, فارسٌ يُغمد في صدر أَخِيِه خنجراً بإسم الوطنْ ويُصَلِّي لينال المغفرةْ , ما هو الوطن ؟ هو الشوق إلى الموت من أجل أن تعيد الحق والأرض, ليس الوطن أرضا, ولكنه الأرض والحق معاً, الحق معك, والارض معهم )) . يقول نزار قباني المتوفي سنة 1998 : 

 

(( قتلناكَ .. يا آخر الأنبياءْ

قتلناكَ .. ليس جديدا علينا

اغتيال الصحابة والأولياء

فكم من رسول قتلنا ..

وكم من إمام ذبحناه وهو يصلى صلاة العشاء ..

فتاريخنا كله محنة ..وأيامنا كلها كربلاء ..

قتلناك .. يا جبل الكبرياءْ وآخر قنديل زيتٍ

يضىء لنا , فى ليالى الشتاء

قتلناكَ ..

يا حبّنا وهوانا ..

وكنت الصديق , وكنت الصدوق ,

وكنت أبانا .. وحين غسلنا يدينا ..

اكتشفنا ..بأن قتلنا منانا ..

وأن دماءك فوق الوسادةِ .. كانت دمانا))  .

 

الذيول والمخانيث والطفيليين لا ينعون الرجال صدر الدواوين , ولا يترحمون عليهم لانهم يشعرون بعقدة النقص اتجاه الاحرار واصحاب القيم والمعاني العاليه والمترفعين عن مخالطة الخونه والعملاء...ايها الفارس الشهم نعاك رفاقك واخوتك الاحرار اصحاب الاقلام الحره المترفعين عن فطائس هذا الزمن الرديء . في فن اللامبالاة هو لم يتأهب لغدرهم , فنعت الأوكار نسورها,ومعلوم ان  كل الناس تموت لكن ليس كل الناس تعيش ,لم تكن الدبابات الأمريكية تسير على أسفلت شوارع  بغداد , بل كانت تسير على قلبه , ايها الجميل كسنبله , وحنطي كالدقيق , والدافيء كنار الحطب, والطيب كرغيف ,لا قيمة  لتلبية رغبة دهسها الوقت, ولا قيمة لمعطف يُكسى به ميت بالعراء, ولا قيمة لأحد يصل متأخرا بعد نهاية كل شيء, أهم ما في كل شيء توقيته, التوقيت هو الذي يضفي القيمة على الأشياء أو ينتزعها . في كتاب (التأرجح على الهاوية) يذكر ايغور فولغين : أنه لما مات دوستويفسكي ارسلت صحيفة (مينوتا) مراسلاً ليتقصى الخب ر, فكتب الصحفي يصف جثمان دوستويفسكي قائلاً ) كان رأسه يستكين على الوسادة , ووجهه يميل إلى الأصفرار , ذو انف ممدود مدبب يعبر عن طمأنينة فائقة حتى ليخيل إلى المرء انه يقف ليس امام جثمان , بل عند سریر شخص ينام نوماً مطمئناً رغيدا) . أيها النائم المطمأن ,الموت يوجع القلوب ويفجعها, فلا أقسى من الفقد أبداً, فرحم الله من عاش دون أحبته , فالعيش دون من نحب موت, أن الموت حين اختارك دفن قلبي معك, كل الأيام لم تروق أبداً دونك، فأنا أحيا على أمل اللقاء .


تعليقات

أحدث أقدم