محمود خالد المسافر
أربعة عقود بالضبط تفصل بين مسلسلين مهمين اجتاحت أحداثهما البيوت العربية من مضيق جبل طارق إلى مضيق عُمان، وحتى نتلمس التغيرات والتطورات التي أصابت المجتمع العربي في كل مكان في أربعين عاما، ارتأيت أن اتفحص المفاهيم التي يطرحها المسلسلان حتى اميّز الفروقات بين المرحلتين الزمنيتين اللتين ظهرا فيهما المسلسلان .
كانت العوائل العربية تجتمع في عام 1983 كل اسبوع لمدة ساعة واحدة محددة سلفا لتتابع مسلسل "الشهد والدموع" فتصل إلى الحلقة الاخيرة في سبعة اشهر، بينما تجتمع العوائل في عام 2023 كل يوم وفي اي وقت، لأن تطبيق "شاهد" يسهل اليوم للمشاهد العربي متابعة اي مسلسل تلفزيوني عربي ومن دون الالتزام بوقت معين ، ليتابع مسلسل "جعفر العمدة" ويصل الى الحلقة الاخيرة في ثلاثين يوما، ويختزل بذلك مدة الثلاثين أسبوعا التي كانت تستغرقها مسلسلات النصف الثاني من القرن الماضي . ويستطيع المتابع للأعمال الفنية اليوم على تطبيق شاهد ان يرى المسلسل الذي يزيد عن المائة حلقة في عدة ايام فقط خصوصا اذا كان المشاهد ليس لديه شيئا اخر يفعله او يفكر فيه. وهو ما حدث معي تماما خال مدة حجزي في فندق قرب المطار في ماليزيا بعد ان عدت اليها قادما من احدى عواصم الخليج العربي خلال مرحلة الجائحة التي اجتاحت العالم في نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، اذ دفعني الفراغ القسري الذي عشته في اربعة عشر يوما قضيتها في الحجز الصحي الى اكمال مسلسل "ارطغرل" التركي ذي المائة وخمسين حلقة . هناك مئات الفروق التي يمكن ان نسجلها بين العملين فنيا واجتماعيا وسياسيا لمرحلتين فاصلتين من تاريخ أمتنا العربية وشعبنا العربي . ويمكنني، لانني شاهدت العملين فانني استطيع أن اقوّم المرحلتين الزمنيتين من خلالهما . ويستطيع غيري بلا شك ممن شاهد العملين في وقتهما ، او في غير وقتهما، ان يساهم في تقويم المرحلتين من خلال العملين الفنيين . واليكم بعض ملاحظاتي التي سجلتها :
1. أن المسلسلين يعكسان سرعة الزمن ، إذ يعكس مسلسل "الشهد والدموع" الحركة البطيئة للزمن في مرحلة المسلسل الزمنية ، بينما يعكس مسلسل "جعفر العمدة" الحركة السريعة للزمن الحالي .
2. أن مسلسل "الشهد والدموع" يعكس نوعية العمل الجماعي الذي كان مسيطرا على أعمال تلك المرحلة حتى وإن كان العمل يقوده عباقرة من أمثال يوسف شعبان ، بينما ترتكز الكثير من الاعمال في هذه الأيام على شخصية واحدة مهما كان نوعية الممثلين الكبار الذين يشاركون البطل في بطولة المسلسل، ولذلك فإننا نرى ان اختيارات البطل ورغباته هذه الأيام واضحة وفي كل تفصيلات العمل . ومثالا على ما اقول، لم يستطع العملاق محمود عبد العزيز في العمل المميز "رأفت الهجان" أن يأخذ الاضواء من يوسف شعبان وذلك لأن تفاصيل المسلسل جاءت على وفق اختيارات منتج مثقف ومخرج قوي ومؤثر ومفهوم العمل الجماعي .
3. لا يُنكر أن قابليات البطل وإمكانياته مهمة جدا في إظهاره بطلا وتمكينه من السيطرة على عمل فني معين، ولكن ثقافة البطل احيانا تفوق أهمية قابلياته الفنية، لأنها ببساطة تمنح له الفرصة للمناورة والمطاولة وعلى أقل تقدير تمنحه الفرصة على أن لا يظهر رتيبا متكررا في مسلسل لا تقل حلقاته عن الثلاثين. وعلى أية حال فإنه بين يوسف شعبان ومحمد رمضان بون كبير في الأداء والقابليات والثقافة الفنية والقيم وغيرها من الفروق .
4. ان الأمة في وقت "الشهد والدموع" كانت تشهد انتصارا ونموا وازدهارا، فالعراق منتصر في دفاعه عن الجبهة الشرقية، ومنظمة التحرير الفلسطينية في أوج قوتها في الدفاع عن فلسطين المحتلة، وكانت الجزائر تخطوا الخطوات باتجاه أن تكون واحدة من أعظم الدول في افريقيا والعالم، وليبيا تلك الدولة الشابة التي كانت قد بدأت بواكير قيادتها لكل القارة الأفريقية، والأردن بلد الاستقرار والنمو السياسي والتعليمي المبهر، ودول الخليج العربي في بدايات خطواتها التنموية والآمال فيها معلقة والعيون إليها ناظرة، والصومال كانت في طريق نهضتها، والسودان باتت املا لكل الخطط التنموية في الدول العربية لأنها تمثل خط الدفاع الأول في الأمن الغذائي العربي، ومصر كانت قد خرجت للتو من كبوتها "السلامية" مع الكيان المغتصب للأرض العربية، وبدأت تعود لتأخذ دورها العربي والإقليمي الذي تستحقه . كل تلك الاسباب جعلت المسلسلات التلفزيونية على نحو خاص وكل الأعمال الفنية على نحو عام في ذلك الزمان تحاكي الواقعية وتنظر الى المستقبل وتبتعد عن الاساطير. بينما الاحوال في زمننا هذا قد تغيرت ، واسمحوا لي أن أطلق عليه "زمن محمد رمضان"، زمن عادت فيه الخرافة التي غادرناها قبل أكثر من نصف قرن، وعادت الينا فكرة "المُخَلِّص" بسبب اشتداد الإحباط وتمكن الهزيمة من الامساك بعقل المواطن العربي، حتى أن بعض شبابنا انهزم من واقع الهزيمة إلى هزيمة اكبر بأن أصبح عنده من هزمه هو مخلصه ومنقذه. استبد بأمتنا اليوم الحزن والبؤس ومن دون الدخول في التفاصيل لاننا كلنا نعرف ماذا حصل في العراق وفلسطين وسوريا واليمن وليبيا ولبنان والسودان والصومال وغيرها من بقاع العرب .
5. أن الفروقات التي شهدتها أجور الفنانين في المسلسلات وبسبب توحش الاعلانات ومروجيها أصبحت تتحكم بالأعمال الفنية، فعندما يأخذ بطل المسلسل اجرا يفوق عشرات المرات أجور الصف الثاني من الممثلين الآخرين يصبح وجود البطل هو الحاكم الرئيسي ماليا وقانونيا، وتقل اهمية كل مقومات العمل الفنية الاخرى . وقبل اعمال محمد رمضان شاهدنا ذلك في أعمال عادل امام المختلفة ، حتى يشعر المتابع أنه أمام عمل يجسده شخص واحد، وما الآخرون وكل ظروف العمل الأخرى إلا ادوات هامشية لا تؤثر في سياق العمل الفني أو في قبوله من قبل المشاهدين، فيما خلا المنتج الذي تكمن أهميته فقط في نجاحه بعقد الصفقة مع البطل الاول للعمل الفني . وكل القرارات اللاحقة إنما تبقى تفاصيل لازمة لإنجاز العمل ولكنها غير مؤثرة فيه.
6. يشير التركيز على سيادة القانون وسلطة أجهزة الدولة الى قوة الانظمة الحاكمة، ويشير الترويج لتمييز أهمية روح القانون على القانون ذاته إلى أن المجتمع يخطو خطوات حقيقية باتجاه العدالة الاجتماعية فضلا عن زيادة الوعي الاجتماعي. وهذا ما كنا نراه في اعمال متميزة قبل أربعين عاما، ولكن اغلب اعمال اليوم تعطي المشاهد شعورا أن أجهزة الدولة غير قادرة على فرض النظام والقانون من غير الاستعانة بالـ (فتوّات) كما يسميهم المصريون أو الـ (الشقاوات) كما يسميهم العراقيون . وكانت المجتمعات العربية قد غادرت ذلك المفهوم قبل أكثر من نصف قرن، ولذلك فأن عودته إلى أعمالنا الفنية ليست دليلا على هبوط هذه الأعمال فحسب، وانما هو دليل واضح على تدهور واقع المجتمعات العربية وغياب مفهوم العدالة الاجتماعية وضعف سلطة الدول ومؤسساتها الحاكمة .
سيبقى المجتمع العربي يتابع هذا النوع من الأعمال طالما أن النفس العربية مصابة بالاحباط ، وطالما أن الواقع المزري يحتاج إلى "مُخَلِّص"، وطالما أن المُخَلِّص غير موجود لأسباب موضوعية فإن محمد رمضان وأمثاله سيعرضون علينا المهدئات والمسكنات لننسى الواقع ونحن نعيش في عهد "المُخَلِّص" في ثلاثين حلقة. والأدهى والأمر أن ننتظره في مائتي حلقة وتزيد على غرار المسلسلات الأرجنتينية التي غزت ومثيلاتها التركية واللبنانية والهندية تلفزيوناتنا فاقدة الحصانة .


إرسال تعليق