رحيل الشيخ عيادة كنعان الصديد وذكريات محافظة المثنى واهلها الطيبين

مشاهدات



محمود خالد المسافر


رحل إلى ذمة الله محافظ المثنى السابق المناضل العربي والثابت الاصيل الشيخ عيادة كنعان الصديد . ولم  يكن شيخا عاديا بل كان ثابتا ينتظر الخلاص والعودة إلى دياره منتصرا. وعندما كانت عيناه تنتظران الأحبة في الطريق ليبشرونه بما كان ينتظر تذكره الله تعالى وفارق حياتنا الفانية إلى رب رحيم بعباده . عندما زرت المملكة العربية السعودية في شهر رمضان من عام 2013 وكنت في ضيافة الاجاويد من شيوخ عنزة علم بوجودي المرحوم الشيخ عيادة واتصل بي وقال لي لا يمكن أن تأتي إلى الرياض من غير أن استضيفك عندي، قلت له شيخي ورفيقي ابو فارس أنا اليوم في ضيافة أبناء عمومتك واحظى بوجود الشيخ فارس معنا، وغدا أنا أشد الرحال إلى الكعبة الشريفة ومن هناك اعود إلى ديار الغربة في ماليزيا . واعدك أنني أن قدمت إلى الرياض مرة أخرى ستكون أول من أزوره . كان صوته هادئا متميزا عندما استمع لتلك اللهجة البدوية الجميلة التي تتخللها بعض كلمات اجبرته المدينة على إتقانها. تحدثنا بعجالة وكان المجلس في ديوان الشيخ نواف الفايز كله يسمعنا ونحن نتحدث عن ذكريات السماوة عندما كان هو محافظا لها ووالدي قاضيا في محكمة الجنايات فيها. قال والدك كان شجاعا وقلت وانت من أهلها يا شيخ عيادة . كان يحب أهل السماوة كثيرا لأن كثيرا منهم امتداد لإنتمائه القبلي . وانا اشهد ان أهل السماوة وكل محافظة المثنى رجال أشداء فصيحي اللسان وماجدات ذوات احسان وخير. عشت بين ظهرانيهم ثمانية أعوام ونيف لم أر منهم إلا كل خير لا زال بعض اصدقاء الطفولة يتواصل معي اخلاصا ووفاء. 

 

وفي ذكرى السماوة استذكر الآتي: لقد تم نقل خدمات والدي كقاضي الى كركوك، وقد تم نقل كل اغراضنا واثاث بيتنا الى كركوك بعد أن تم تخصيص بيت من بيوت الدولة المخصصة للقضاة في منطقة تسعين الجديدة وهي من اجمل مناطق كركوك العزيزة . رحلنا من السماوة وتركنا خلفنا اجمل الصداقات والذكريات و"طوبة گريگر" اهديتها لصديق عزيز. غادرنا السماوة قبل الفجر ووصلنا بعد الظهر إلى كركوك . لم يمض يوم واحد حتى اكتشف والدي أن اعز أغراضه قد فُقد. حقيبة كبيرة تضّم كل ذكرياته وأشياء ورثها من ابيه. آلمه كثيرا فقد عباءة والده وسدارته الغالية واقلامه الباركر وبعض المقتنيات الاخرى . كان يتذكر الاشياء شيئا فشيئا ومر اليوم عليه ثقيلا. ولكننا كنا مشغولون بالفرح بأننا اقتربنا من أبناء خالاتنا واخوالنا الأكراد الذين كنّا نسافر مئات الكيلومترات في السابق لنراهم ونلعب معهم كل عام مرة واحدة . وتركنا والدي ليخوض في ألمه لوحده . سألته والدتي هل تشك بأحد ما اجابها لا اشك بأي أحد لأن أهل السماوة "خوش" ناس . سلم أمره إلى الله وذهب والدي في اليوم الثاني إلى المحكمة وترك والدتي تخوض لوحدها في إعادة ترتيب الدار وقد تعودت على ذلك لكثرة تنقلات ابي في وظيفته كقاضي . فبين بغداد وبعقوبة وكركوك وبني سعد وبلدروز والسماوة قضت والدتي عشرين عاما في انتقال مستمر. اتصل والدي من المحكمة وأجابت والدتي من هاتف المنزل ذي اللون "البيج" وقال لوالدتي اعملي لنا غداءً فقد جاء مجموعة من شيوخ السماوة وبعض أهالي الرميثة ليسلموا علي . 

 

لم يكن غريبا هذا الفعل على العراقيين ايام زمان، فقد كانوا يتواصلون مع الموظفين الذين أحبوا حتى بعد انتقالهم من مقر عملهم ، ولكن الغريب جدا أن والدي لم يكن يسمح لأية علاقة تنشأ مع شيوخ العشائر في السماوة ، وعندما كنّا نسأله عن سبب امتناعه عن قبول أية دعوة من شيخ أو وجيه فيقول إن هذه العلاقات تؤثر على عملي وانا قاضي . إذا من هؤلاء الذين أتوا ليسلموا عليه ؟ انتظرنا حتى جاء بهم الوالد وكانت المفاجأ ة!! لقد سقطت الحقيبة المهمة لدى والدي من أعلى "اللوري" كما نسميه في العراق وكان العمال قد وضعوا الحقائب فوق الاثاث والاغراض ولم يربطوها جيدا. فسقطت الحقيبة في الطريق الى بغداد على بعد خمس كيلومترات من مدينة الرميثة . فجمع صبية الاغراض المتناثرة من الحقيبة المكسورة نتيجة السقوط من علي وجاؤوا بها إلى ديارهم وعلم كبارهم بالأمر وبحثوا عن أي أثر يدلهم على صاحب الحقيبة ولم يجدوا. حتى قال أحد شيوخهم أن هذه الحقيبة تعود لرجل من الأكابر، فهذه السيارة وتلك العباءة وذلك "البايب" وهذه الأقلام النادرة لا يملكها الا ابن عائلة كريمة. اسألوا المحافظة إذا كان موظفا جديدا قد نُقل إلى السماوة أو قديما قد نُقل منها. فابلغوهم أن القاضي خالد المسافر قد غادر يوم امس صباحا الى كركوك وهو ذات التوقيت الذي وجد فيه الصبية الحقيبة . فقال كبير بينهم لن تبات هذه الأغراض عندنا اليوم وقد عرفنا لمن تعود واين هو الآن ، وقبل أن يؤذن فيهم آذان الفجر غادروا الرميثة قاصدين مدينة كركوك ليرجعوا الامانة إلى صاحبها. ذُهل والدي وهو يستمع إلى القصة، ولا يعلم ماذا يقول في إرادة الله ورحمته به أو في أمانة أهل الرميثة، أو في ذلك الحلال الموروث من ابيه. لم تُكسر "صفنته" الا عندما قال شيخهم هل هذه كل أغراضك فقال والدي نعم، فقال الشيخ تأكد لانك لم تتأكد منها، فأجابه والدي أنا متأكد فلا تقلق، ثم قال الشيخ كما يحب أن يقول العراقيون الاصلاء "إذا ابرينا الذمة استاذ" و"خلينه نمشي لاهلنه". ابرأهم والدي ذمتهم النقية وعادوا إلى أهلهم وتركوا في قلوبنا حب لا يموت لاهل السماوة والخضر والرميثة . تلك هي المثنى التي جمعتنا لأول مرة بالراحل ابو فارس الشيخ الهمام عيادة كنعان الصديد رحمة الله على روحه الطاهرة . رحل الشيخ عيادة ورحل والدي وكلنا يرحل وتبقى آثار الرجال وتنبت القيم المزروعة في الأبناء ويبقى أهل المثنى ككل أبناء العراق أصحاب نخوة ورجال موقف . تحية لرجال المثنى ولماجدات المثنى وسأبقى اكتب لكم وفيكم وعنكم حتى أراكم مرة أخرى بعد تحرير العراق العظيم من كل المجرمين والخونة والفاسدين .

 

رحم الله الشيخ عيادة كنعان الصديد وأسكنه فسيح جناته. والهم أهله وذويه ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون .

 


 

تعليقات

أحدث أقدم