عبد الإله بلقزيز
كاتب ومفكر مغربي
الحرب ظاهرةٌ من ظواهر الوجود الإنسانيّ ومن حقائق التّاريخ المتكرّرة شهدت عليها البشريّة منذ عهدها الطّبيعيّ الأوّل : أزمنة القطيع البشريّ وما بَرِحت تعيشها وتكابد أهوالها مع أنّها ليست معطًى قهريّاً خارجاً عن إرادتها - مثل الزّلازل أو البراكين أو الأعاصير أو الفيضانات أو المجاعات أو الأوبئة... بل من صُنع الإنسان نفسه . وليس من إمكانٍ للاعتقاد باحتمال اختفاء ظاهرة الحرب يوماً مّا وخُلُوِّ الحياة الإنسانيّة منها أو حتّى لارتفاع الأسباب الحاملة عليها في المجتمعات الإنسانيّة وبينها حيث يبدو أنّ المنزِع إليها مكينٌ في النّاس بمقدار اتّصاله بحاجاتٍ تصطنعها لهم ظروفُهم . ما من شكّ في أنّ فعْلَ الحرب بما هو فعْلُ عدوان يُفصِح عن منزِعٍ غريزيّ في الإنسان أو لِنَقُل عمّا هو حيوانيٌّ فيه أو عمّا بقيَ من حيوانيٍّ فيه يدفعه إلى إفناء غيره للحفاظ على بقائه . وهو غريزيّ أيضاً إنْ أخذنا في الحسبان ميْل الإنسان الفطريّ إلى السّيطرة على الأشياء وحيازتها لنفسه . وهو الميْل الذي يأخذه إلى الاصطدام بآخرين إمّا يسعَوْن إلى حيازةِ الأشياء عينِها وإمّا هُم في حكمِ مَن يحتازُها فيُطْمَع في انتزاعها منهم بالقوّة .
ولا تختلف هنا سيرةُ المرء الواحد عن سيرة المجتمعات في هذا الباب فهي نفسُها تجد نفسَها منصرفةً إلى التّعبير عن المنزِع الغريزيّ نفسِه حتّى وإن هي برّرتْه تبريراً أو أسبغت على فعلها بعض الأخلاقيّة لشرعنته . وليست المصالح التي هي - اليوم - موضِعَ نزاعٍ وتدافُعٍ بين الدّول إلاّ شكلاً من التّعبير عن نزعة الامتلاك والحيازة المنغرسة في الفطرة الإنسانيّة . لذلك دارتِ الحروب في التّاريخ الإنسانيّ دائماً على المصالح على مصالح يُراد تحصيلُها بالقوّة أو على أخرى يُراد الدّفاعُ عنها . ومع أنّ التّطوّر هذّب الكثير من السّلوك الإنسانيّ وميّزه من السّلوك الحيوانيّ فأتتِ الأديانُ والأعراف وقيمُ الجماعات ثمّ الدّولُ والقوانين تهذّبُه وتؤنسنُه أكثر إلاّ أنّ كمّاً من الغرائزيِّ ما زال حاضراً في الفعل الإنسانيّ : يحكُمه ويوجّهه في الوجهة التي تتحقّق فيها رغائبه وليستِ الحربُ إلاّ تجسيداً لفاعليّة ذلك المتبقّيّ من الغرائزيّ . ومع أنّ صوراً شتّى من أَخْلَقَةَ الحرب (إضفاء الطّابع الاخلاقيّ عليها) حصل في التّاريخ وشاركت فيه الأديان (الحرب العادلة الجهاد...) والإيديولوجيّات (نشر الحضارة - عند المستعمر- التحرّر الوطنيّ.. الثّورة) والدّول (حقّ الدّفاع عن النّفس.. قوانين الحروب وأعرافُها وآخرُها «اتّفاقيّةُ جنيف» للعام 1949) يظلّ للحرب طابعُها العدوانيّ : الافتراسيّ والإفنائيّ غير الإنسانيّ الذي لا يمكن لأيّ شرعنةٍ أن تطمسه أو تبرّره باسم أيّ مبدأ والذي لا يمكن مَحْوُهُ أو حتّى التّخفيف من وطأته .
وغنيٌّ عن البيان أنّ هذا الطّابع العدوانيّ الذي يَسِم الحربَ يَنْقُضُ قانونيْن من أوكد قوانين الطّبيعة هما: قانون البقاء (أو حِفظ النّوع الإنسانيّ) وقانون السّلم الذي بمفعوليّته تتأمّن حمايةُ القانون الأوّل . لكنّ الحرب تفضح من وجْهٍ آخر السّياسةَ وتَكشف عن مَوَاطن العجز أو القصور فيها . إنّ مجرّد التّفكير في الحرب واتّخاذ قرارٍ بشنّها واللّجوء إليها هو في حدّ ذاته اعترافٌ بفشل السّياسة - بوصفها فعلاً مدنيّاً سلميّاً - في أن تعالج المشكلات التي يُلْجَأ إلى الحرب لحلّها . سيقال إنّ الحرب من السّياسة بل هي سياسة بطريقةٍ أخرى - على قولٍ شهير لكلاوزڤيتس- أو قل هي من أفْعَل أدوات السّياسة ووسائلها . هذا صحيح ولكن إذا كانت الحرب عتبةً في السّياسة ولحظةً من لحظاتها فالمفهومُ من ذلك أنّ ثمّة عتبات ولحظات قبلها كان يُفْتَرَض أن تقوم بما قامت به الحرب من أدوار وأنّ تنكُّب السّياسة عن إنجاز ما عليها أن تُنْجزه في عتباتها الأولى هو ما يأخذها إلى خيار الحرب من حيث هي آخر عتباتها ولحظات تعبيرها عن نفسها أي - أيضاً - هو ما يأخذها إلى إشهار فشلها كسياسة وانتهائها إلى العنف والقوّة ملاذاً أخيراً .
إخفاقُ النّفس العاقلة يقود إذن إلى الاستظهار بالنّفس الغضبيّة : إنِ استعرنا المفردات الأفلاطونيّة .
والغضب فعلٌ شعوريّ خارجٌ عن حدّ السّواء وقُصوويّ لذلك لا تنتهي إليه السّياسة وتتلبَّسه إلاّ متى ذَوَت جذوةُ العقل فيها وخَبَتْ .
ما العقل إنْ لم يكن ذلك الفعلَ الذي يَعْقِل جموح الأهواء ويفرض عليها قيْداً (عِقالاً يَعْقِلها أو يربطها) ؟ أليستِ السّياسة ذلك العِقال الذي يَكْبَح جِماح الغضب واللّجامَ الذي يُلْجِم الاندفاع ؟ ولكن ها هنا كلُّ المشكلة إذْ ماذا تكون السياسةُ سوى ذلك الحساب العقلانيّ الصّارم للممكنات والمستحيلات للأهداف والوسائل للأرباح والخسائر... إلخ وهي إنْ أخطأتِ الحسابَ أخطأت دورَها وفعاليّتها حكماً وذلك- بالذّات- ما يحدث لها حين تندفع نحو الحرب أي نحو لحظة السّياسة غير الرّاشدة . وكم من قوّةٍ كبرى بَنَتْ خيارات الحرب على حسابٍ دقيقٍ مطمئنّةً إلى نصرها فيما انتهى بها الأمر إلى الهزيمة
الإمبراطوريّات الكبرى في التّاريخ التي اضمحلّت وزالت بعد سطوةٍ وعنفوان خير مثـال .
المصدر : عربي-sky-news

إرسال تعليق